أكذوبة أفضل فريق العالم
أعترفُ بدايةً أننّي وقعت في هذا الفخ، وارتكبت هذه الخطيئة اللغوية والمهنية من قبل، فلا داعي لأن يتذاكى أحدهم ويتصيّد لي منشورًا قديماً ويقول "ها قد قلتها أنت أيضًا، أفضل فريق في العالم"!
نعم، لربّما قلتها أو شيئًا قريبًا منها. وربّما شعرت حينها بأنّني أعبّر عن بعض الامتنان، أو أودّع زملائي بكلماتٍ لطيفة، أو أنّني ببساطة مارست بعض النفاق المهني. إلا أنّ تكرار المشهد والعبارة المجترّة على منصّات التواصل الاجتماعي كإعلان مُكرّر لدواءٍ عقيم لا يشفي، أمستْ مزعجة، حتى لو كان البعض منا صادقًا أحيانًا، فقلوبنا الصغيرة لم تعد تتحمّل كلّ هذا النفاق.
أفضل فريق في العالم... ما الذي يجعلها تُقال بهذه الخفّة؟ كيف يصبح كلّ فريق عمل، مهما كان متواضعًا أو عاديًا أو حتّى سامًا، هو الأفضل في العالم في لحظة الوداع؟ لربّما هي ليست جملة امتنان بقدر ما هي محاولة نفسية لتزيين الرحيل وتجميل الفراق، وكأنّنا نخشى الاعتراف بأننا تعبنا، أو فشلنا، أو مللنا. فبدل أن نقول لأنفسنا إنّ التجربة انتهت لأنها استنزفتنا، نكتب منشورًا عاطفيًا نُغلق به الصفحة بابتسامة مصطنعة وصيغةٍ مهذّبة نستخدمها لنخدع أنفسنا قبل أن نخدع الآخرين.
"أفضل فريق في العالم" ليست توصيفًا موضوعيًا، بل تعبير عن لحظة نشوة عاطفية
لربما لم تعد العبارة بريئة، إذ تحوّلت إلى طقسٍ جماعي، خصوصًا في حفلات الانتقال الوظيفي. كلّ من يغادر عمله ينشر صورًا تفيض بالابتسامات والذكريات، ويكتب "عملت مع أفضل فريق في العالم" وكأنّه يرفع كأسًا في عرسٍ مهني. وبعد أشهر قليلة، حين ينتقل إلى وظيفة جديدة، يجتر الجملة نفسها من جديد، وكأنّنا نعيش في بُعدٍ متعدّد الأكوان، كلّ مؤسسة فيه هي الفضلى في نسختها الخاصة؟ أم إنّ العالم هنا لا يعني الكوكب بل مجرّد الفقاعة الشخصية للكاتب التي تتقلّص وتتمدّد وفقًا للراتب والمسمّى الوظيفي؟ ربما علينا الاعتراف بأنّ "أفضل فريق في العالم" ليست توصيفًا موضوعيًا، بل تعبير عن لحظة نشوة عاطفية، كمن يقول بعد وجبة شهية هذا أفضل طعام أكلته في حياتي، إلى أن يتناول الغداء التالي! فأيّ عبثٍ لغوي هذا؟ وأيّة ذاكرة قصيرة نمتلكها حتى نصدّق كلّ مرّة أنّنا كنا مع الأفضل؟
وربما تكمن السخرية في أنّ هذه الجملة لا تعبّر عن الفريق بقدر ما تعبّر عن صاحبها. إنها محاولة يائسة لنبدو نبلاء ومحبين ومتواضعين أمام الجمهور الرقمي، حتى وإن كانت علاقتنا بذلك الفريق قد انتهت بخلافٍ أو بخيبة أملٍ أو توتّرٍ نفسيٍ ثقيل.
ثم تأتي المفارقة المضحكة: ماذا عن الفريق الذي سبقه؟ هل سقط فجأة من مرتبة "الفضلى" إلى مرتبة "الكخة" كما نقول في العامية؟ هل يتحوّل الزملاء القدامى إلى مجرّد ماضٍ لا يستحق الذكر بمجرّد أن يوقّع أحدهم عقدًا جديدًا؟ كأنّ المهنية الحديثة صارت تشبه العلاقات السطحية: نحبّ الجميع، لكننا لا نتعلّق بأحد. نبتسم للكاميرا، ونكتب كلماتنا المنمّقة، ونغادر من دون أن ننظر خلفنا.
المهنية الحديثة صارت تشبه العلاقات السطحية؛ نحبّ الجميع، لكننا لا نتعلّق بأحد
وأنا لا أهاجم المجاملة بحدّ ذاتها، بل خواءها. في النهاية، لا بأس أن نكتب بشيء من اللطف والامتنان، فذلك من الذوق. لكننا فقدنا الصدق في التعبير. يكفي أنّ يقول المرء إنه تعلّم، أو إنّه عاش تجربة جميلة رغم صعوبتها، أو إنّه ممتن لزملائه من دون أن يدّعي أنه عاش أعظم لحظة في تاريخ البشرية المهنية.
أما أنا، وقد قلتها ذات يوم، فأعترف أنني كنت أبحث عن طريقة مهذّبة لأغادر لا أكثر. واليوم، حين أرى سيل المنشورات التي تنتهي جميعها بالعبارة نفسها، أشعر بأنّ أفضل فريق في العالم لم يكن إلا انعكاسًا لحاجتنا نحن إلى قصةٍ جميلة نرويها لأنفسنا حتى لا نعترف بالملل، أو الفشل، أو التكرار. الحقيقة أنّ الفريق الأفضل في العالم لا وجود له إلا في الخيال، تمامًا كما لا توجد وظيفة مثالية أو بيئة عمل خالية من العيوب.
ربما كان الأصدق أن أكتب "عملت مع بعض الأشخاص الجيدين وكثير من الأوغاد، وتعبت كثيرًا، وتعلمت أكثر، وأمضي الآن إلى مغامرة جديدة". لكن لا أحد يكتب هكذا، لأنّ الصدق في هذا العالم صار يبدو وكأنّه وقاحة.