التطبيع... سمٌ قاتل
لم يعد للسياسيين القدرة على إخفاء نواياهم وخططهم المستقبلية كما كان في السابق، فالتقارير الصحافية والشواهد وبعض التصريحات (شبه الرسمية) تشي بحدوث تقارب وشيك، أو ربّما اتفاقية تطبيع بين الإدارة السورية الجديدة وإسرائيل، وهذا إن حدث، لن تكون المرّة الأولى التي تطبّع فيها دولة عربية علاقاتها مع إسرائيل، لكنها ستكون سابقة تاريخية من عدّة جوانب أخرى.
أولًا، سيكون أحمد الشرع أوّل رئيس عربي قادم من خلفية الإسلام الجهادي (السني) يضع يده مباشرة في يد الصهاينة، مما سيعزّز من الادعاء بأنّ الشيعة هم من يرفعون لواء المقاومة ضدّ المحتل الصهيو-أميركي بينما يتسابق السنة على نيل رضاه وبيع القضية الفلسطينية في سوق السياسة، بالرغم أنّ الشرع نفسه بدأ حياته السياسية مقاتلًا ضد الاحتلال الأميركي في العراق.
ثانيًا، ستكون هذه المرّة الأولى التي تذعن فيه دولة عربية لاتفاقية تطبيع وهي تحت الاحتلال والقصف المباشر، مما سيؤسّس لقاعدة جديدة عنوانها "البقاء مقابل التطبيع" بعد أن كانت القاعدة هي "الأرض مقابل التطبيع (السلام)" أو "المصالح مقابل التطبيع". وهذه القاعدة الجديدة (إن نجح تطبيقها) ستُمكّن إسرائيل تحت حكم اليمين المتطرّف الدموي والدعم الأميركي اللامحدود من فرض واقع جديد على دول عربية أخرى بقوّة السلاح، ولن تعدم حينها حججًا فارغة تبرّر تحرّكها العسكري كما تفعل حاليًا في الجنوب السوري.
مما لا شك فيه أنّ إسرائيل، وإن نجحت في تطبيع علاقتها مع بعض النظم العربية السياسية الحاكمة، إلا أنّها فشلت فشلًا ذريعًا مع الشعوب. لكن اتفاقيتها مع الإدارة السورية حال حصلت، وفي حال حازت القبول أو التفهم الشعبي على أقل تقدير، ستكون سابقة خطيرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
إنّ كانت إسرائيل نجحت في تطبيع علاقتها مع بعض النظم السياسية الحاكمة إلا أنّها فشلت فشلًا ذريعًا مع الشعوب
لا ينكر منصف معاناة السوريين تحت وطأة نظام حزب البعث، الذي وزّع الموت على السوريين وهو يرفع شعار المقاومة. ولم تكن مفارقة أنّه سمّى أحد أكثر فروعه الأمنية الأكثر رعبًا ووحشية باسم "فرع فلسطين"، كما ظلّت إسرائيل آمنة مطمئنة تمامًا إلى جواره. والسؤال المطروح هنا: هل يكون هذا مبرّرًا لأن تنقلب السلطات الحالية على كلّ موروثات النظام البائد، حتى شعاراته الجوفاء؟ وأن يرضى الشعب عن ذلك؟
لذلك أدعو الشعب السوري الذي انتفض ضدّ حكم الأسد غير مبال بالقتل والاعتقال والتعذيب والتهجير والقصف أن ينتفض كذلك ضدّ اتفاقية التطبيع قبل أن تصبح واقعًا، فإن كان الشرع لا يزال متسقًا مع أفكاره ومبادئه القديمة ضدّ الاحتلال الصهيو-أميركي للبلاد العربية والإسلامية، فستكون تلك الانتفاضة داعمة ومؤيّدة لموقفه الرافض للتطبيع، وإن كانت السياسة قد انحرفت بالرجل عما كان يؤمن به سابقًا، فسيكون ذلك تهديدًا له بخسارة الدعم الشعبي الذي يتكئ عليه كثيرًا في تمرير سياساته الداخلية والخارجية.
لا أحد فوق النقد كائنًا من كان، لأنّه ما من أحد معصوم إلا الأنبياء، وكما قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه "يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال".