التفسّخ، التركيم، والطوفان
(١)
حين يتحوّل الوطن من إطار للعيش المشترك إلى منظومة لإدارة الأجساد، لا يعود الانتماء مسألة شعور أو هُويّة، بل وظيفة. ما يُدار هنا ليس فقط السلوك، بل إمكان الحياة ذاتها: من يَظهر، من يَصمت، من يُحتمل وجوده، ومن يُترك في منطقة الالتباس إلى الأبد (أبد السلطة أو أبد المقصود).
في هذا الأفق، لا يكون الوطن وعدًا بالحماية، بل شبكة تنظيم، لا يُمارس سلطانه فقط عبر القوانين والعقوبات، بل عبر إنتاج معايير دقيقة لما يُعتبر حياة "طبيعية"، وما يُصنَّف بوصفه خروجًا عن النسق. هكذا يُعاد تعريف السياسة، لا باعتبارها مجال الفعل المشترك، بل باعتبارها تقنية فرز/إقصاء مستمر.
لم تعد السلطة الحديثة في حاجة إلى إعلان العداء الصريح لمواطنيها (وإن كان بعضها مجرمًا كفاية ليفعل في خطاب مزدوج/متناقض) يكفي أن تُعيد ترتيب علاقتها بهم، بدل أن تحكم عبر القرار السيادي العنيف، تحكم عبر تنظيم التفاصيل: الإيقاع اليومي، سقف الكلام، حدود الطموح، وأنماط النجاة المقبولة، ثم يمكنها اللجوء للعنف المسلّح دائمًا باسم حماية الوطن (المُهدّد دائمًا).
يُعاد تعريف السياسة، لا باعتبارها مجال الفعل المشترك، بل باعتبارها تقنية فرز/إقصاء مستمر
بهذا المعنى، لا تُمارَس السلطة أساسًا عبر المنع، بل عبر السماح المشروط. يُسمح لك أن تعيش، لكن بطريقة مُحدّدة (كأداة تأييد، جباية مثلًا)، يُسمح لك أن تتكلّم، لكن ضمن نبرة مقبولة (سيكتب لك كلمتك في مؤتمر المعارضة الضابط ذاته الذي كان يعذّبك في التحقيق)، يُسمح لك أن تنجو، لكن من دون أن يتحوّل ذلك إلى سابقة قابلة للتعميم (كعبرة لا كقدوة) الحياة لا تُنفى، لكنها تُدار (إدارة نافية في النهاية).
(٢)
حين تُدار الحياة، يصبح الجسد هو الساحة الأولى للسياسة، لا الجسد البيولوجي فقط، بل الجسد بوصفه حاملًا للزمن، والطاقة، والقدرة على الاحتمال، يُقاس الانتماء بمدى قابلية هذا الجسد للاستنزاف: كم يمكنه أن ينتظر، أن يتأقلم، أن يؤجّل احتياجاته ويقمعها، ثم كيف يدير السجين ذاته، بوصفه هو السجّان وكيلًا عن سجانه الأصيل.
في هذا السياق، لا يكون العنف دائمًا لحظة استثنائية، بل حالة كامنة، العنف لا يظهر فقط في القمع المباشر (وإن لم يعدمه)، بل في التطبيع مع الهشاشة، في جعل الإنهاك حالة عادية، وفي تحويل التعب إلى فضيلة ضمنية، الجسد الذي لا يحتمل بما يكفي يُعدّ غير منسجم مع الإطار العام، ومن ثمّ غير مُستحقّ للعيش.
الجسد الذي لا يحتمل بما يكفي يُعدّ غير منسجم مع الإطار العام، ومن ثمّ غير مستحقّ للعيش
ما كان يُفترض أن يكون استثناءً مؤقّتًا بدعوى الحرب على الإرهاب، أو مواجهة الأعداء، أو حتى الظروف الاقتصادية مثل: تعليق الحقوق، تقليص الحريات، أولوية "الضرورة"، ومرشّحوها وأجهزتها، يتحوّل تدريجيًّا إلى بنية مُستقرّة، لا يُعلن الاستثناء، بل يُطبّع معه، لا يُقال إنّ القاعدة مُعلّقة، بل يُعاد تعريف القاعدة نفسها (كدخول مواد الطوارئ في كلّ النصوص القانونية لتصبح هي القاعدة ولا يمكنك الاحتجاج بوجود حالة طوارئ. راجع قانون الإجراءات الجنائية في مصر كمثال).
هنا تظهر منطقة رمادية لا يكون الفرد فيها خارج النظام ولا داخله تمامًا، هو موجود، لكنه غير محمي بالكامل، أو للدقّة "غير منفيّ بالكامل"، معترف به، لكنه قابل للتخلّي عنه أو لنسف وجوده في لحظة (كأن يُدعى أحد المتخصّصين للحوار الوطني ثم يُعتقل على باب الحوار عقابًا على مشاركته المُزعجة). هذه المنطقة لا تحتاج إلى أسوار، لأنها تُدار عبر الغموض: غموض الحقوق، وغموض المُستقبل، وغموض الخطّ الفاصل بين المقبول والمرفوض، بعد إدراك أنّ الحقّ الوحيد هو ما تتفضّل به السلطة باعتباره حقًّا، ولا حقوق جماعيّة، بل تصريح فرديّ لكلّ مواطن بشخصه.
(٣)
في هذا الترتيب، لا تُمنح الحياة باعتبارها قيمة أولية، بل تُطلب منها المُبرّرات، لماذا أنت هنا؟ لماذا تستحق الأمان؟ لماذا تريد أكثر ممّا هو مُتاح؟ أو بالقول المصريّ المأثور "احمد ربنا انك حيّ".
هكذا يتحوّل الوجود إلى حالة دفاع دائم، لا يعيش الفرد بصفته فردًا حاضرًا/موجودًا، بل بصفته مُتّهمًا مطالبًا بالإثبات، أي حركة زائدة، أي رغبة غير مُدرجة، أي محاولة للعيش خارج القالب، وداخله أحيانًا، قد تُقرأ بوصفها تجاوزًا غير مبرَّر، لم يعد الخطر في قابلية الفعل/السلوك للتأطير من عدمها، بل تكمن الأزمة في كلّ فعل أو سلوك يُخالف التفسّخ العام.
لا يعيش الفرد بصفته فردًا حاضرًا/موجودًا، بل بصفته متّهمًا مطالبًا بالإثبات
في هذا السياق، لا تكون المخالفة الأساسية هي العصيان العلني، بل الظهور غير القابل للتصنيف: أن تعيش من دون أن تقدّم تفسيرًا، أن تنجو من دون أن تُدرج نجاتك في سردية التضحية، أن تحيا من دون أن تتحوّل إلى مثال أو عبرة، الوجود الذي لا يُختزل إلى وظيفة، ولا يُستهلك رمزيًّا، يصبح وجودًا مُزعجًا، لأنّه يفضح هشاشة النظام الذي يدّعي اليقظة ويجتهد لإخفاء الفاشيّة.
(٤)
حين يُعاد تعريف الوطن بوصفه جهازًا لتنظيم الحياة، لا يعود فضاءً للظهور الحرّ، بل إطارًا لضبط الوجود، لا يُقصي الجميع أو يقتلهم، لكنه لا يَحتضن أحدًا بالكامل، الجميع حاضرون، لكن على مسافة دائمة من المحو والنسف، القيمة لا تُمنح على أساس المشاركة، بل على أساس الرضوخ غير المُعلن أو الامتثال الجاهز والتصفيق الجماعي قبل الانتهاء من سماع الخطاب.
السؤال في هذا المستوى: ما الذي يجعل الحياة قابلة للإدارة إلى هذا الحدّ؟ أو: هل تستحقّ حياةً كهذه أن تُعاش: أليس من الأولى تفجيرها، على الأقل ستنفتح على احتمالات أخرى غير "التألية" الجماعية؟ أم أنّ هناك فرصًا ما زالت للتسرّب بين الشقوق (لو كانت ثمّة شقوق) في متتالية الجدران تلك، يمكن من خلالها العمل على تراكمات الخلل في بنية السلطة؟
وحين تُطرح المسألة بهذه الصيغة، لا يعود النقد موجّهًا إلى أفراد أو مواقف، أو حتى إلى سلطة مُجرمة هنا أو احتلال باطش هناك، بل إلى منطق كامل، وطريقة عيش يسأل نفسه حول الوضع القائم/القاتم، ومآلاته في القادم قبولًا بالتفسّخ أو انفجارًا تامًا، ولو من قبيل الانتحار الجماعي "عليّ وعلى أعدائي" أو تركيمًا للأفعال الصغيرة وصولاً للتغيير.