الخوف كجامع وطني مشترك
تواجه الهُويّة الوطنية واقعاً مُستجّداً وهذا لا يعني أبداً أنّها كانت بخير؛ مُحَقّقة، مُتبادلة، محترمة، أو محمية بإسناد قانوني ومواطني وإنساني، متين ومُتماسك. لذلك، تبدو هذه النواقص الواضحة بمثابة دعوة ملحة لإعادة إحيائها وربطها بالواقع الجديد وبالوقائع المُتغيّرة لأسباب كثيرة. لكن من الضروري عدم تجاهلها والانصراف الفوري نحو إنهاضها وإعلانها سكّة مُشتركة لجميع السوريات والسوريين.
تتجدّد الأسئلة حول الهُويّة الوطنية السورية الجامعة، لأنّ الواقع الجديد في سورية لم يتمكّن حتى الآن من طمأنة الجميع بأنّهم فعلياً جزء أصيل من المكوّنات الوطنية، وهذا يشكّل خطراً وجودياً، يدفع الجميع إلى السؤال: من نحن؟ ما هي أدوارنا لبناء سورية الجديدة؟ ومن يمنح أو يحجب حقوق المشاركة في البناء عبر الإزاحة من البنية العامة والفضاء السوري المُشترك؟
كلّ المخاوف تزيح المُشتركات الكافية، وربّما الموجودة، لكنها غير مُستثمرة أو موظّفة في إطار بناء هُويّة سورية وطنية مُشتركة تخصّ الجميع ويمارسها الجميع، ليس كاستحقاق هُويّاتي فقط، بل أيضًا كقاعدة أساسية وطنية للعيش المشترك، الذي بات مجرّد شعار في ظلّ تجاذبات حادة جدًّا ومُتناقضة تجعل من كلّ الصور البرّاقة المُقدّمة والخطابات اللغوية الخلّبية والفاقدة لأيّ بعد مؤسساتي مسؤول، مجرّد خطاب إنشائي مُكرّر ومُتلاعب به لرفض كلّ آخر يختلف عن الأغلبية، وتثبيت قوّة طرف واحد بيده كلّ مؤشّرات القوّة، وعلى يديه يتم هدر كلّ المُمكنات الصالحة والقابلة للعيش والتشارك بين جميع السوريين والسوريات.
على السلطة أن تُبادر للقيام بخطوات جادة لإطلاق مسار إنقاذي عماده الحرية ومواطنة متساوية للجميع
تبدو الحمية في أوج اندفاعاتها، وكأنّ سيلاً مُتقدًا يحثّ الحشود على دعم وجود وبقاء العهد الجديد، بكلّ وسائل الدعم الشعبوية المُمكنة؛ مئات الآلاف في الشوارع، هتافات مُتداخلة، اتهامات عالية الحدّة تُثير توافقًا غير مبرّر، تهديدات بنفي الآخر، وربّما إخراجه بحسم وغلبة خارج حدود أيّ تشارك وطني لبناء سورية الجديدة. ثمّة حالة من الاكتفاء بجمهور مُحدّد، وهذا الاكتفاء مبني للأسف على قاعدة الاستحقاق الحالي.
يبدو الخطاب الوطني الموجّه والمُعلن في الساحات، والذي يحاولون تعميمه كخطاب مُستحق ومستفرد بالخطاب العام، طاردًا لسواه، وقد لبس ثوبًا ضيقًا جدًّا على الوطنية كجسد، ثوبًا على مقاس شخص وجمهوره، مدعومًا بشيطنة الآخر والسعي إلى نفيه خارج الحدود وخارج الأداء الوطني وخارج الهُويّة السورية التي لم تعد جامعة كما نتمناها ونستحقّها جميعنا.
هذا المسار، هو الذي ترك الجمهور السوري خاضعًا لقوانين ما قبل الروابط الوطنية التي فكّكها الاستبداد وباتت هذه الروابط اليوم برفقة جمهورها المُنتعش بفائض القوّة، سهلة الانقياد لرجال السلطة والزعامات الدينية والطائفية والعشائرية والعرقية، ومآل الانقياد هو حكمًا فخ يفاقم الخوف على المصير الوطني للجميع.
الخوف هو عدو الحرية، وهو أكبر تجلٍّ للمخاطر المُحدقة بالوطنية السورية الجامعة
في الوقت الذي خضعت فيه المنطقة لقوى راعية لمشاريع التقسيم، على السلطة أن تُبادر للقيام بخطوات جادة لإطلاق مسار إنقاذي عماده الحرية ومواطنة عابرة لكلّ الانقسامات الطائفية والعرقية والفكرية والثقافية.
هل يشكل الخوف جامعاً وطنياً مشتركاً من أجل إعادة بناء سورية الجديدة؟ نعم وبكلّ تأكيد. والخوف هنا ليس مجرّد شعور بل تلمّس واقعي عياني لواقع يتهافت، مُهدّدًا بانفصام العرى الوطنية والجامعة، ويؤسّس لتكتّلات إقصائية ما دون وطنية وتنتمي لمرحلة ما قبل المواطنة.
إنّ وضع السوريين في مواجهة بعضهم البعض هو أمر خطير جدًا، والاعتماد على بعضهم كخزان بشري للجم الآخر ومواجهته هو استثمار خاطئ في الطرفين المُعتدِي والمُعتدَى عليه، كما أنّ كسر البنية التعريفية والثقافية للمكوّنات كنواة مركزية أصيلة للوحدة الوطنية، كلّها مخاطر تقتلع كلّ المُمكنات لنكون معاً، بإرادة مُشتركة وبجهود تشاركية هدفها البناء، والأهم أن تكون حريصة على سلامة وكرامة الآخر، لأنّ الحرية للجميع تحت سقف وطني للجميع.
الخوف هو عدو الحرية، وهو أكبر تجلٍّ للمخاطر المُحدقة بالوطنية السورية الجامعة.