الشباب العراقيون والتحوّل نحو الليبرالية

23 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 17:45 (توقيت القدس)
+ الخط -

لم تكن احتجاجات تشرين 2019 حدثًا عابرًا في تاريخ العراق السياسي، بل لحظة تاريخية أعادت تشكيل وعي جيلٍ بأكمله تجاه الدولة، الهُويّة، والمستقبل. لقد أظهرت تلك الاحتجاجات أنّ ثمّة قطيعة نفسية وفكرية بين الشباب العراقيين ومنظومة ما بعد 2003، بما تمثّله من طائفية سياسية، محاصصة، وفساد ممنهج. ومع هذه القطيعة، بدأت تتبلور ملامح تحوّل في المزاج الفكري والسياسي لدى كثير من الشباب، وخصوصًا في اتجاه تبني الأفكار الليبرالية، لا بوصفها خيارًا أيديولوجيًا تقليديًا، بل كممارسة ذهنية يومية، وموقف أخلاقي من العالم.

إنّ أبرز ما ميّز احتجاجات تشرين هو غياب الخطابات الأيديولوجية الصريحة، فلم ترفع الجماهير شعارات اشتراكية أو إسلامية أو قومية، بل كانت تطالب بدولة مدنية، وسيادة القانون، وكرامة المواطن، وهي مطالب تقع في صميم الفلسفة الليبرالية. كان ذلك التعبير عن تحوّل في طبيعة المطالب؛ من مطالب فئوية أو طبقية إلى مطالب ترتكز على الحقوق الفردية والعدالة المؤسسية. هذا ما يذكّر بما قاله المفكر الليبرالي البريطاني جون ستيوارت ميل: "الحرية ليست فقط غياب الإكراه، بل قدرة الفرد على تحقيق ذاته كما يشاء، طالما لا يضر بالآخرين". بهذا المعنى، بدأت الليبرالية تدخل إلى الوعي السياسي العراقي لا من بوابة الكتب والمفاهيم، بل من بوابة الشارع والتجربة.

لكن هذا التحوّل لم يكن لحظة فكرية خالصة، بل جاء كنتيجة لتراكم خيبات تاريخية. لقد كانت الاشتراكية، لسنوات طويلة، الحامل النظري الوحيد لمطالب العدالة والمساواة، وكان كثير من الشباب، قبل تشرين، يتجهون نحو اليسار، بحثًا عن أدوات لفهم الواقع وتغييره. غير أنّ التجربة الاشتراكية العراقية كانت قد تعرّضت لضربات متتالية؛ فمن جهة، ارتبطت في أذهان الناس بفشل الأنظمة الشمولية والبيروقراطية، ومن جهة أخرى، أخفقت الأحزاب اليسارية في التجديد والتأثير داخل فضاء سياسي مُحتكر من قوى دينية وقومية. هذا الفشل النظري والتنظيمي لليسار دفع بعض الشباب إلى التساؤل: ما جدوى العدالة من دون حرية؟ وما معنى التوزيع العادل للثروة إذا كانت الدولة تُنتهك فيها كرامة الفرد؟

أبرز ما ميّز احتجاجات تشرين هو غياب الخطابات الأيديولوجية الصريحة، فلم ترفع الجماهير شعارات اشتراكية أو إسلامية أو قومية، بل كانت تطالب بدولة مدنية، وسيادة القانون، وكرامة المواطن

هنا بدأت الليبرالية تُطرح كبديل أكثر مرونة. فهي، بخلاف الاشتراكية، لا تفترض وجود طبقة عاملة ثورية، ولا تسعى إلى قلب النظام رأسًا على عقب، بل إلى إصلاح تدريجي عبر تمكين الأفراد وتعزيز الحريات. كما أنّها، بخلاف الإسلام السياسي، لا تُحمّل الإنسان عبء الخلاص الجمعي، بل تعترف بحقه في أن يكون "نفسه". هذا الطابع الفرداني، الذي يُعدّ جوهر الليبرالية، وجده الشباب أكثر اتساقًا مع تطلعاتهم لحياة حرّة، بعيدة عن وصاية الجماعة، والعائلة، والدين، والطائفة، والحزب.

لقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في نقل الأفكار الليبرالية إلى الواقع العراقي بشكل غير مباشر. لم تعد الليبرالية تُطرح بوصفها "فكرًا غربياً"، بل كطريقة حياة؛ تتمثّل في الدفاع عن حرية التعبير، رفض القمع، احترام التنوّع، وتقديس الكرامة الإنسانية. وبمرور الوقت، تحوّلت هذه المبادئ إلى ما يشبه الحسّ المشترك بين أوساط شبابية واسعة. وبتعبير أنطونيو غرامشي، فإنّ "كل طبقة صاعدة تنتج نمطها الثقافي الخاص، الذي يتغلغل في النسيج الاجتماعي ويعيد تعريف المقبول والمرفوض". يبدو أنّ جيل تشرين، من دون أن يكون طبقة بالمعنى الكلاسيكي، كان ينتج ثقافته الخاصة، التي تقوم على تحطيم البنى التقليدية، وعلى إعادة تعريف السياسة كفضاء للحرية لا كصراع للهيمنة.

أخفقت الأحزاب اليسارية في التجديد والتأثير داخل فضاء سياسي مُحتكر من قوى دينية وقومية

التحوّل الليبرالي الذي بدأ يتبلور بعد ثورة تشرين لم يكن محصورًا في النخبة أو في المدن الكبرى فقط، بل امتدّ إلى مناطق مهمّشة، حيث بدأ الشباب يستخدمون مفاهيم الدولة المدنية والمواطنة والحياد السياسي بوصفها أدوات للنجاة، لا ترفًا فكريًا. لقد وجد هؤلاء في الليبرالية وعدًا مختلفًا، وعدًا لا يفرض عليهم نموذجًا موحّدًا للخير، ولا يُقايض حريتهم بالاستقرار، بل يمنحهم إمكانية أن يكونوا أحرارًا، حتى وإن ظلّ النظام السياسي عاجزًا عن الاستجابة.

لكن هذا التحوّل لا يخلو من التحديات. فالمجتمع العراقي لا يزال محافظًا في عمومه، ويُنظر إلى الليبرالية أحيانًا كمرادف للتغريب والانفلات، لا كمشروع عقلاني لإدارة التنوّع. كما أنّ القوى السياسية المسيطرة، سواء الدينية أو القومية، تملك أدوات مالية وإعلامية تجعل من الصعب على الخطاب الليبرالي أن يترسّخ. ومع ذلك، فإنّ وجود هذا الخطاب، وتطوّره، ودخوله في صلب النقاش العام، تُعدّ في حدِّ ذاتها مكسبًا تاريخيًا.

لم تكن الليبرالية عند شباب تشرين قرارًا أيديولوجيًا واعيًا بقدر ما كانت خيارًا وجوديًا، فرضه واقع مُثقل بالخذلان، وحنين إلى الحرية، ومحاولة لإعادة بناء علاقة الإنسان بالدولة والمجتمع

إنّ السؤال الأهم هنا ليس فقط: لماذا تحوّل الشباب نحو الليبرالية؟ بل: كيف يمكن لهذا التحوّل أن يُنتج بُنية سياسية جديدة؟ هل تتحوّل الليبرالية من خيار فردي إلى تيار جمعي؟ وهل يمكن تنظيمها في مشاريع سياسية قابلة للحياة؟

ربما من المبكّر الإجابة عن هذه الأسئلة، لكن ما هو واضح أنّ الليبرالية في العراق لم تعد مجرّد فكرة مستوردة أو وجهة نظر نخبوية، بل صارت، كما كتب برنارد ويليامز "لغة يتحدث بها الناس حين لا يجدون ما يشتركون فيه سوى الرغبة في ألا يُفرض عليهم شيء بالقوة".

وهكذا، لم تكن الليبرالية عند شباب تشرين قرارًا أيديولوجيًا واعيًا بقدر ما كانت خيارًا وجوديًا، فرضه واقع مُثقل بالخذلان، وحنين إلى الحرية، ومحاولة لإعادة بناء علاقة الإنسان بالدولة والمجتمع على أسس جديدة؛ أسس تعترف بأن الفرد ليس مجرّد وسيلة لمشروع الجماعة، بل غاية في ذاته، جدير بالحماية، والاحترام، والحرية.