العبور من منطقة الترقّب... سورية إلى أين؟

29 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 17:34 (توقيت القدس)
+ الخط -

ثمانية أشهر مرّت على تولّي أحمد الشرع زمام السلطة في دمشق بعد سقوط النظام السابق، وما زال الموقف من هذه السلطة محلّ نقاش داخلي وخارجي. السبب الأساسي أنّ الشرع اعتمد منذ البداية على ما سماه "الإعلان الدستوري"، باعتباره الإطار الناظم للمرحلة الانتقالية، لكنه ظلّ حتى الآن إطاراً مؤقتاً لا يرقى إلى دستور دائم. هذا الإعلان منح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة تحت ذريعة الحاجة إلى قيادة الدولة نحو برّ الأمان، لكنه في الوقت نفسه علّق العديد من القضايا الجوهرية مثل قانون الأحزاب، تشكيل لجنة وطنية لصياغة دستور جديد، وإقرار هيئة مستقلة للانتخابات.

المعضلة هنا أنّ تقييم السلطة لا يكتمل قبل استكمال هذه الأركان المؤسّسية. فمجلس الشعب لم يُنتخب بعد، والمحكمة الدستورية لم تُشكّل، ما جعل كثيرين يتريّثون قبل إعلان موقف واضح منها. هذا الانتظار ليس تعبيراً عن تردّد، بل خطوة ضرورية لقياس صدقية السلطة؛ فاكتمال المؤسسات سيكون الاختبار الحقيقي لمعرفة إن كانت ستؤدي دورها بوصفها جهات مستقلة أم ستتحوّل إلى هياكل شكلية تُدار من السلطة التنفيذية.

لكن السؤال: كم من الوقت تحتاج هذه السلطة فعلاً لتقييم الاتجاه العام؟ مراجعة الأدبيات السياسية وتجارب الانتقال في العالم توضّح أنّ الشهور الأولى بعد اكتمال البنية المؤسسية هي الأهم، إذ تحدّد طبيعة العقد الاجتماعي الجديد. ففي تونس مثلاً، بعد ثورة 2011، كان قانون الأحزاب وهيئة الانتخابات مؤشّرات حاسمة لتمييز التحوّل الديمقراطي عن مجرّد إعادة إنتاج منظومة قديمة. وفي السودان بعد 2019، أثبتت التجربة أنّ تأجيل تشكيل مؤسسات مستقلة جعل السلطة الانتقالية عرضة للاهتزاز والانقسام.

المطلوب قانون أحزاب يفتح المجال أمام التعدّدية الحقيقية، لا مجرّد تعدّدية شكلية

في سورية اليوم، التحدي ليس قانونياً فحسب، بل سياسي واجتماعي واقتصادي في آن واحد. فمن الناحية السياسية، المطلوب قانون أحزاب يفتح المجال أمام التعدّدية الحقيقية، لا مجرّد تعدّدية شكلية. ومن الناحية الدستورية، لجنة وطنية شاملة لصياغة دستور دائم يجب أن تضم مختلف القوى والتيارات، بما فيها ممثلون عن اللاجئين والمجتمع المدني، لتجنّب تكرار تجربة الدساتير المفروضة من فوق. أما من الناحية الانتخابية، فإنّ تشكيل هيئة وطنية مستقلة للانتخابات سيكون المؤشّر الأبرز على مدى استعداد السلطة لقبول تداول السلطة ولو جزئياً.

اقتصادياً، الأشهر الماضية أظهرت محاولات للسيطرة على التضخم واستعادة بعض الخدمات، لكن من دون خطّة إصلاح بنيوية واضحة. التجارب المقارنة تؤكّد أنّ أي عقد اجتماعي جديد لا يصمد من دون معالجة الفوارق الاجتماعية وتوزيع أكثر عدلاً للموارد، خصوصاً في بلد أنهكته الحرب مثل سورية. وهنا يظهر الترابط بين السياسي والاقتصادي: غياب الثقة في النظام السياسي يضعف أي برنامج اقتصادي، والعكس صحيح.

اجتماعياً، ما زالت الهوّة عميقة بين مكوّنات المجتمع السوري، والسلطة الحالية لم تقدّم بعد مبادرات كافية لإعادة بناء الثقة. العقد الاجتماعي، إذا أراد الشرع صياغته بجدية، يجب أن يتجاوز منطق "المكاسب مقابل الولاء" الذي ساد في الأنظمة السلطوية، ويتجه إلى صياغة قواعد عادلة تقوم على المساواة والمواطنة.

تشكيل هيئة وطنية مستقلة للانتخابات سيكون المؤشّر الأبرز على مدى استعداد السلطة لقبول تداول السلطة 

استشراف المستقبل يضعنا أمام مسارين محتملين؛ الأوّل، أن يلتزم الشرع بخريطة طريق إصلاحية واضحة، تبدأ بقانون الأحزاب، تليها اللجنة الدستورية، وتنتهي بتشكيل هيئة الانتخابات، ما قد يفتح أفقاً حقيقياً للانتقال التدريجي نحو عقد اجتماعي أكثر توازناً. والثاني، أن يقتصر الأمر على إعادة إنتاج مؤسّسات شكلية تكرّس سلطة مركزية قوية، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل الثقة مجدّداً، وفتح الباب أمام بدائل خارج إطار الدولة، سواء عبر عودة قوى مسلّحة أو تعزيز التدخلات الخارجية.

بناءً على ما سبق، فإنّ الموقف من السلطة يجب ألا يبنى على النيات أو التصريحات وحدها، بل على مؤشّرات ملموسة خلال الفترة القادمة. بهذا المعنى، فإنّ تأجيل الموقف ليس مناورة سياسية، بل ممارسة للموضوعية؛ إذ لا جدوى من إطلاق الأحكام قبل اكتمال الصورة. أما بعد اكتمال الأركان، فلن تبقى هناك حجّة لتبرير أيّ خلل أو تعطيل، وسيكون التقييم مبنياً على أداء مؤسسات الدولة في الواقع لا على وعودها المُعلنة. وهذا لا يعني أبداً التوقف عن النقد البنّاء والإشارة إلى مواطن الخلل ونصح السلطة بشأنها.