العراق والقمة: الاحتفال فوق ركام الدولة

27 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 20:35 (توقيت القدس)
+ الخط -

بينما تستعد بغداد لاستقبال القمة العربية لعام 2025، تبدو الدولة العراقية وكأنها تشدّ ستائر المسرح على عجل لتُخفي ما خلفها من فوضى. شوارع تُرصف في اللحظة الأخيرة، أرصفة تُطلى على عَجل، وابتسامات رسمية تجهد في إقناع الداخل والخارج أن العراق عاد إلى موقعه العربي. ولكن، في واقع الحال، الاحتفال قائم فوق ركام دولة ما زالت تبحث عن نفسها.

هذه ليست المرة الأولى التي تحتضن فيها بغداد زعماء العرب، لكنها قد تكون الأشد تناقضًا بين صورة الاستضافة وصوت الشارع. فبينما تتهيأ قاعات الاجتماعات لاستقبال الوفود، لا تزال مؤسسات الدولة تتخبط في ملفات الأمن والاقتصاد والخدمات، وسط مشهد سياسي معقّد لا يملك لا خريطة طريق ولا مشروعًا إصلاحيًا واضحًا.

في الداخل، يعيش العراقيون يومهم بين تقنين كهرباء وغلاء أسعار وبطالة متزايدة. المشهد لا يحتاج كثيرًا من التحليل، فكل مؤشرات الاقتصاد تُظهر هشاشة البنية وغياب الرؤية. اقتصاد يعتمد بالكامل على الريع النفطي، دون أي خطوات جادة نحو التنويع أو الاستثمار في الإنسان. لا خطط حقيقية لخلق فرص عمل، ولا تحفيز للقطاع الخاص، ولا رؤية طويلة الأمد.

أما الفساد، فقد تحوّل من ظاهرة إلى بنية قائمة، لا يخلو منها أي قطاع. كل مشروع تنموي يُعلن، يترافق مع شكوك حول الجهة التي ستستفيد منه، والجهات التي ستعرقله، والصفقات التي تُدار خلف الكواليس. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن دور إقليمي أو طموحات استراتيجية ضربًا من الترف السياسي.

الوضع الأمني لا يختلف كثيرًا. فبين حملات الظهور الإعلامي، تبقى ثقة الناس بالمؤسسات الأمنية محدودة. أي خرق بسيط قد ينسف الصورة المرسومة للقمة. والمفارقة أن النجاح الأمني المؤقت لا يعني بالضرورة تحسّنًا طويل الأمد، طالما أن الأجهزة لا تُدار بمنطق الدولة، بل بمنطق التوازنات المؤقتة والولاءات المتداخلة.

في الداخل، يعيش العراقيون يومهم بين تقنين كهرباء وغلاء أسعار وبطالة متزايدة. المشهد لا يحتاج كثيراً من التحليل، فكل مؤشرات الاقتصاد تُظهر هشاشة البنية وغياب الرؤية.

في الخطاب الرسمي، تُعرض القمة كدليل على عودة العراق إلى عمقه العربي. لكن السؤال البسيط الذي لا يُطرح: ماذا يريد العراق من هذا العمق؟ وأين موقعه ضمن التوازنات؟ هل يملك قرارًا مستقلًا؟ وهل يستطيع فعلًا أن يكون جزءًا من صياغة موقف عربي مشترك، أم أنه ما زال منشغلًا بإخماد حرائق الداخل؟

الزائر إلى بغداد هذه الأيام قد يلاحظ حجم التحضيرات، لكنّه لن يرى ما يشعر به العراقي في حياته اليومية. فالعاصمة التي تستعد لاستقبال القادة، هي نفسها التي تعاني من انقطاعات الكهرباء، من الفوضى في إدارة النفايات، من الشوارع المكتظة، ومن مشاريع متوقفة أو فاشلة. الواجهة تُلمّع، لكن العمق باهت، حائر، مجهول المصير.

المعضلة الكبرى أن القمة تحوّلت إلى غاية بحد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لإعادة التفكير في نموذج الحكم. لا جدوى حقيقية من أي مؤتمر يُعقد في بغداد، ما لم يكن صوت العراق فيه نابعًا من إرادة داخلية صلبة، قائمة على مشروع وطني لا على توازنات هشة.

الشرعية لا تُبنى بالخطابات، بل بالإنجاز، والمكانة الإقليمية لا تُكسب عبر المؤتمرات، بل عبر السياسات. والعراق، إذا أراد أن يُعامَل كدولة قائدة، عليه أولًا أن يتعامل مع نفسه كدولة. يعيد بناء مؤسساته، يضع حدًا للفساد، يطلق مشاريع إنتاج حقيقية، ويمنح الناس ثقة بأن الدولة موجودة، وتعمل لمصلحتهم.

بعد القمة، سيعود القادة إلى عواصمهم، وستنطفئ كاميرات التغطية، ويبقى العراق أمام نفسه. هل ستكون هذه القمة نقطة بداية لنهج مختلف؟ أم أنها مجرد محطة بروتوكولية عابرة، تُضاف إلى أرشيف الصور ولا تغيّر شيئًا في المعادلة؟

الاحتفال ممكن، لكنه لا يُخفي الخراب. بغداد يمكنها أن تستضيف القمة، لكن الدولة العراقية لا تزال عاجزة عن استضافة الثقة. والثقة لا تأتي من مظاهر مؤقتة، بل من بناء طويل، بطيء، لكنه صلب. العراق بحاجة إلى إصلاح حقيقي، لا استعراض سياسي. وإلا فالقمة ستبقى حدثًا خارجيًا في بلدٍ ما زال يبحث عن معنى الدولة.