العقل السياسي العربي بين القبيلة والغنيمة والعقيدة
يُعتبر كتاب "العقل السياسي العربي" لمحمد عابد الجابري أحد أكثر المشاريع الفكرية العربية طموحًا في تحليل بنية الممارسة السياسية داخل التاريخ العربي الإسلامي، ضمن سياق مشروعه الفلسفي "نقد العقل العربي" الذي انتقل فيه الجابري من تفكيك العقل النظري إلى مساءلة العقل العملي، أي من تحليل أنماط التفكير في اللغة والبلاغة والكلام والفلسفة، إلى تحليل آليات إنتاج السلطة وتداولها وتبريرها. تنبع أهمية هذا الكتاب من كونه لا يقرأ السياسة بوصفها وقائع متفرقة أو سير حكام، وإنما يعاملها كـ"عقل" له محدداته وآلياته وقوانينه الداخلية، تتكرر عبر التاريخ بأشكال مختلفة.
ينطلق الجابري من فرضية مركزية مفادها أن السياسة في التجربة العربية الإسلامية تشكّلت وفق محددات ثلاثة، صاغها في ثلاثية صارت من أهم مفاهيمه النقدية، وهي: القبيلة، والغنيمة، والعقيدة. وهذه الثلاثية لا تُقدَّم كعناصر وصفية سطحية، وإنما كآليات توليد للسلوك السياسي في الحضارة العربية الإسلامية، تضبط العلاقات بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والثروة، وبين الشرعية والإكراه (الغلبة). فالقبيلة تحيل إلى العصبية ومنطق الولاء، والغنيمة تحيل إلى نمط الاقتصاد الريعي الذي يربط الدولة بالتوزيع بدل الإنتاج، والعقيدة تحيل إلى تحويل الدين من أفق قيمي إلى أداة تعبئة وصراع واحتكار للسلطة والحق.
ضمن هذا المنظور، يقرأ الجابري التاريخ السياسي العربي منذ لحظة الدعوة والدولة، مرورًا بالردة والفتنة الكبرى، وصولًا إلى الدولة الأموية ثم العباسية، باعتباره تاريخ تشكّل هذه المحددات وتحوّلها. ويؤكد أن الدولة بعد وفاة النبي دخلت سريعًا في امتحان الشرعية السياسية: كيف تُنتج السلطة نفسها؟ وكيف تُدار الثروة؟ وكيف تُحسم الخلافات؟ وهي الأسئلة التي لم تُحسم داخل أفق المؤسسات، وإنما داخل أفق العصبية والغلبة والشرعية الرمزية. هكذا تصبح الفتنة الكبرى في قراءته لحظة مفصلية كشفت انتقال المجال السياسي من "جماعة الرسالة" إلى "جماعة الدولة"، ومن قيم الشورى إلى صراعات الغنيمة، ومن وحدة العقيدة إلى انقسامها إلى أدوات تبرير للسلطة.
يمتاز منهج الجابري بأنه لا يكتفي بالمقاربة التاريخية التقليدية، بل يزاوج بين أدوات مستمدة من التحليل النفسي ومن التصورات البنيوية والماركسية، عبر مفاهيم مثل "اللاشعور السياسي" و"المجال السياسي" و"البنية" و"الوظيفة". يشير اللاشعور السياسي عنده إلى تلك الرواسب العميقة التي تستمر في تشكيل السلوك السياسي حتى بعد تغيّر الظروف، كما تستمر الأساطير المؤسسة في توجيه المخيال الجمعي. ومن ثمّ يصبح تاريخ السياسة العربية تاريخًا لآليات مستمرة أكثر منه تاريخًا لوقائع منفصلة، ويغدو الماضي حاضرًا في صيغ جديدة، عبر تكرار أنماط الولاء والريع والتوظيف الأيديولوجي للدين.
ينطلق الجابري من فرضية مركزية مفادها أن السياسة في التجربة العربية الإسلامية تشكّلت وفق محددات ثلاثة، صاغها في ثلاثية صارت من أهم مفاهيمه النقدية، وهي: القبيلة، والغنيمة، والعقيدة
في تحليله للقبيلة، يبرز الجابري أن العصبية لم تختف مع قيام الدولة الإسلامية، بقدر ما أعادت إنتاج نفسها داخل الدولة، فتسللت إلى جهاز الحكم، ثم تحولت إلى منطق توزيع المناصب والامتيازات، فصارت الدولة حقلًا لصراع العصبيات بدل أن تكون إطارًا محايدًا يعلو عليها. وفي تحليله للغنيمة، يوضح أن الاقتصاد السياسي للدولة الإسلامية المبكرة اتخذ طابعًا ريعيًا قائمًا على الفتوحات والجباية، وهو ما جعل الدولة تعتمد على "المال القادم من الأراضي المفتوحة" أكثر من اعتمادها على الإنتاج، فترسّخ منطق التوزيع والامتيازات، وأصبح الولاء السياسي مرتبطًا بموقع الفرد من الريع. أما العقيدة، فقد تحولت في كثير من اللحظات إلى أداة تبرير، فظهرت الأيديولوجيات السياسية الكبرى: الجبرية التي خدمت "ملك التغلب"، والإمامية التي بنت شرعيتها على الحق المقدس، ثم محاولات عقلانية وتنويرية محدودة، وصولًا إلى الفكر السلطاني الذي نظّر للاستقرار مقابل الحرية.
تتجلّى قوة الكتاب في أنه يقدّم تفسيرًا مركّبًا لأزمة السياسة العربية الحديثة، عبر ربطها ببنى تاريخية طويلة المدى. حيث إن الجابري لا يتعامل مع الاستبداد بوصفه انحرافًا طارئًا، بل بوصفه نتاجًا لبنية سياسية تشكلت تاريخيًا على قاعدة الغلبة والولاء والريع. ولذلك ينتهي إلى أن الحديث عن النهضة والتقدم يظل خطابًا إنشائيًا ما لم يُفتح ملف "نقد العقل السياسي العربي" نفسه، أي نقد البنى التي تنتج الاستبداد وتعيد إنتاجه حتى بعد تغير الشعارات والأنظمة.
ويقدّم الجابري مخرجًا نظريًا وعمليًا عبر فكرة التحويل التاريخي للمحددات الثلاثة: تحويل القبيلة إلى دولة مؤسسات وحكم القانون، وتحويل الغنيمة إلى اقتصاد منتج، وتحويل العقيدة إلى رأي داخل المجال العام بدل أن تكون سلطة دوغمائية تحتكر الحقيقة. وهذا التحويل لا يُطرح باعتباره أمنية أخلاقية متعالية، وإنما باعتباره شرطًا تاريخيًا لتأسيس سياسة حديثة في العالم العربي. لأن الدولة الحديثة لا تقوم على العصبية بل على المواطنة، ولا تقوم على الريع بل على الإنتاج، ولا تقوم على احتكار المقدس بل على تعدد الآراء داخل إطار الحرية.
في الأخير، يمثّل كتاب "العقل السياسي العربي" نصًا تأسيسيًا في الفكر العربي المعاصر لأنه أعاد تعريف السياسة من زاوية البنى والآليات التاريخية الموروثة، لا من زاوية الأشخاص والوقائع وحدها. وهو كتاب يضع القارئ العربي أمام سؤال ضروري رغم قساوته: لماذا تتكرر الأزمة السياسية في العالم العربي حتى بعد تغير العصور والسياقات والأشخاص؟ ثم يقدّم جوابًا يتجاوز التفسير الأخلاقي نحو تفسير بنيوي تاريخي، يجعل النقد شرطًا للتحرر، ويجعل بناء المستقبل فعلًا معرفيًا قبل أن يكون شعارًا سياسيًا.