القبلية المستدامة وعبء الانتماء
يُشكّل النقد السياسي عند نعوم تشومسكي
أحد أبرز تجليات مشروعه الفكري، وهو نقد أحدث ثورة لغوية ومعرفية أسهمت في تطوير أدوات فهم وتحليل الواقعَين الاجتماعي والسياسي. وفي سياق قراءتي لمقاله "دعوة استعمارية لحرب قبلية جديدة"، المنشور في صحيفة لوس أنجليس تايمز، استوقفني مصطلح Tribalism، الذي يشير إلى نزعة الولاء المفرط للفرع على حساب الانتماء الأعمق والأجدى للأصل، أي تغلّب العصبوية على المدنية، بما يؤدي إلى إضعاف الهوية الوطنية الجامعة وتعزيز الولاءات الفئوية الضيقة.تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في الشارع السوري الجديد، الذي يعاني من حمّى الاصطفافات والتحزّبات، ما أسهم في إضاعة البوصلة الوطنية وإبعاد البلاد عن مسار خلاصها الممكن.
العزلة المدنية وسوسيولوجيا اللون الواحد
لا شك أن غياب فضاءات المشاركة، أو محدودية الدور المجتمعي في صناعة القرار، يقود بالضرورة إلى خلق حالة من الخصام والانفصال بين المجتمع المدني والمؤسّسة الرسمية. ويتيح هذا الفراغ تمدد الولاءات الفرعية، التي تتمترس خلف المزاج الخاص والمصلحة الضيقة، على حساب الرؤية الوطنية الجامعة.
وفي محاولة جادة لإنقاذ المجتمع السوري من تفككه الأخير، وربما النهائي، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة قراءة بنية المجتمع السوري، القائم في جوهره على التنوع والتعددية، كما يتطلب الأمر عملاً فعلياً على إدماج ثقافة الاختلاف، والبحث عن نقاط التماسك داخل النسيج الاجتماعي، مع تحييد الخاص الإيديولوجي لصالح العام الوطني.
أن غياب فضاءات المشاركة، أو محدودية الدور المجتمعي في صناعة القرار، يقود بالضرورة إلى خلق حالة من الخصام والانفصال بين المجتمع المدني والمؤسّسة الرسمية
الغالبية السورية: هوية مُستغَلَّة أم تبعية طوعية؟
لم تكن الغالبية الطائفية في سورية يوماً ذات لون واحد أو توجّه فكري أحادي؛ فهي في جوهرها تعددية رؤى وأصوات ومسارات. غير أن اختزالها في شعارات وألوية يفقدها بُعديها الإنساني والوجودي، ويحوّلها إلى أداة للهيمنة.
تكمن خطورة الخطابات التعبوية الانفعالية في إضعاف موقع المعتدل الوسطي، وتهديد صورة المتعايش الإصلاحي، وقد تقود، من حيث لا تُدرك، إلى زجّ المجتمع في صراع الطائفة الواحدة ضدّ ذاتها.
في المقابل، فإنّ صهر الأكثرية في بوتقة فكرية واحدة لا يمنحها تعريفاً حقيقياً، بل يطمس هويتها التعددية، ويحوّلها إلى كتلة صمّاء وظيفتها إعادة إنتاج الجمود العقائدي.
لم تكن الغالبية الطائفية في سورية يوماً ذات لون واحد أو توجّه فكري أحادي؛ فهي في جوهرها تعددية رؤى وأصوات ومسارات
ولعلّ أسوأ ما قد تتعرض له الأكثرية في أي مجتمع هو استغلالها لتبرير ممارسات القمع، واستثمار هويتها المشتركة في محاولة لاكتساب شرعية زائفة، ما يُحدث شرخاً عميقاً في النسيج الاجتماعي، ويترك أثره في الذاكرة الجمعية على المدى الطويل. وقد أثبتت التجارب التاريخية للشعوب، عبر أزمنة الحروب والنزاعات، أنّ النضج المجتمعي القائم على فصل الهوية الفرعية عن المصلحة العامة، وتأكيد الانتماء العاطفي أولاً للأرض، يشكّل المدخل الأكثر إنسانية لإنقاذ الوطن والإنسان، وعندها فقط يمكن القول إنّ إرادة الشعوب تنتصر.