اللغة التي لم تعد تسعنا... الهابيتوس السّوري الجديد

16 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 20:04 (توقيت القدس)
+ الخط -

في كتابه "اللغة والسلطة الرمزية"، يتحدّث المفكر الفرنسي بيير بورديو عن الخطاب الأبوي، ويصف الهابيتوس اللغوي بأنه "استعداد مكتسب للتعبير، فهو يشكّل ما يُقال، وكيف يُقال، ومن يُسمح له بأن يُقال له".

ومن هذا المنطلق، سنحاول تفكيك الخطاب اليومي المُتداول في الشارع السوري.

تفريغ اللغة من بعدها الإنساني

حين تتحوّل اللغة إلى جدار أيديولوجي يُلغي مساحات الحوار الضروري، فإنّها تفقد غايتها التواصلية، وتتحوّل إلى وسيلة إقصائية تُعيد إنتاج الهيمنة التي عانى منها السوريون طويلاً.  

ربما لم تفلح التجربة السورية المريرة التي امتدّت لعقود في تحييد لغة الوعي الجمعي عن قوالب الطاعة، وإنتاج لغة مدنية نقدية تُغيّر قواعد اللعبة، بل أعادت تدوير الرموز، لا أكثر.

الانهزام النفسي وغياب القدرة على النقد

لعل السؤال الواجب طرحه هنا هو: لماذا تستمر ثقافة التمجيد في الوعي الجمعي السوري، رغم تحطيم الوثن المستحيل؟

من بين الطروحات التي تُفسّر هذا الخلل الجمعي، تبرز فكرة الانهزام النفسي وغياب القدرة على النقد ومساءلة الرمز الأبوي.

اللغة التي نُردّدها اليوم لم تعد تسعنا. لم تعد تعبّر عنّا، بل تُخدّرنا، تُقصينا، وتُعيد إنتاج خوفنا 

هذه الثقافة تسرّبت إلى اللاوعي منذ الطفولة، في المدارس، في كتب القومية، في قصص "ما خلف الشمس"، وفي الخوف من الجدران التي "تسمع" و"سابع أرض".

يقول إريك فروم: "الإنسان الذي لم يتحرر من صورة الأب، سيظل يبحث عن سلطة تُخبره كيف يعيش، لا كيف يُفكّر".

نلتمس صحة هذا القول من خلال معاينة الواقع السوري، وخاصة في الفضاء الأزرق وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث نجد أنّ الخطاب عند البعض لم يُحطّم أصنام الأب القائد ويخرج عن عباءته، بل أعاد حياكة العباءة، وألبسها لأب قائد جديد يُماشي ذوقه المذهبي ويرضي غروره الوجودي.

إعادة تدوير القمع

لم يخرج السوري بعد من قوالب اللغة السلطوية، بل دخل في أقفاص جديدة، حيث تمت إعادة تدوير مصطلحات النظام السابق لتُناسب مزاجية النظام الحالي:

- اختفى "المندس" ليظهر "الفلول". 

- اختفى "الشبيح" ليظهر "العميل".  

- اختفت "المجموعات الإرهابية" لتحل محلّها "الكفار" و"أعداء الأمة".

اللغة التي لم تعد تسعنا

اللغة التي نُردّدها اليوم لم تعد تسعنا. لم تعد تعبّر عنّا، بل تُخدّرنا، تُقصينا، وتُعيد إنتاج خوفنا.  ولعل التحرّر الحقيقي يبدأ حين نكفّ عن تمجيد من يشبهنا، وإقصاء من يخالفنا. وحين نُعيد كتابة الوطن بأصواتنا، وأعراقنا، وانتماءاتنا، ومذاهبنا، وشرائعنا، وأفكارنا، وكل فعل ينتهي بـ"نا"،  وينتهي بنا إلى وطن مدني يحترم حقنا بالحياة.