الواقعية في الفن: كن واقعيّاً واطلب المستحيل
عندما كنت طالبًا أسكن في شقة مع عدد من الأصدقاء، استيقظوا في إحدى الليالي على أصوات قهقهاتي مُستغربين، وعندما دخلوا إلى غرفتي وجدوني أقرأ قصّة لعزيز نيسين ولا أستطيع التوقّف عن الضحك أثناء قراءتها. وبعيدًا عن انتقاداتهم لي لأنني أزعجتهم وأيقظتهم من نومهم، فإنّ أحد الأصدقاء قال لي إنّه مستغرب من أنني أجد في قصّة نيسين ما يُضحك. فهي كانت مُضحكة في زمن ما، أما بعد ذلك و"لشخص مثلي" فينبغي ألا تكون مُضحكة على الإطلاق. سألته بجدية: "ما الذي ينبغي لي فعله من وجهة نظرك"؟ هل ينبغي أن أكتم ضحكاتي وأخفي مسرّاتي واستمتاعي بها، لأنّ ذلك أشبه بالخطيئة التي ينبغي للشخص ألا يفضح اقترافه لها؟ أم ينبغي لي أن أكفّ عن قراءة مثل هذه القصص لأنني أتفاعل معها بطريقة غير مناسبة ولا تليق ﺑ "شخص مثلي"؟ أم ينبغي لي أن أعيد النظر في فكري وشخصيتي لأعالج الأسباب التي تجعلني أُعجب بقصص نيسين وأضحك معها؟
لم أعد أذكر إجابته بدقّة، وأظن أنّه لم تكن لديه إجابة واضحة، لكن أذكر أنّني شعرت بالدهشة من إمكانية وجود قواعد صارمة تحدّد ما ينبغي للشخص أن يُعجب أو لا يُعجبه وفقًا لشخصيته أو ثقافته... إلخ، ومن النظر إلى مخالفته لتلك القواعد على أنّها خطأ (أو خطيئة) ينبغي الشعور بالأسف تجاهه وإعلان الندم والرغبة في عدم تكراره.
عندما أعلنت عدم إعجابي بفيلم "لا تنظر إلى الأعلى Don't Look Up" كنت أعرف أنّ هناك أشخاصًا كثيرين قد أعجبهم الفيلم كثيرًا، لدرجة أنّ بعضهم رأى أنّه "فيلم الموسم" أو "فيلم العام". لم أجد في الإعجاب أو عدم الإعجاب خطأ، لكنّني وجدت بعض التسويغات للإعجاب إشكالية وغير كافية. فكثيرون كانوا يشيرون إلى أهمية المشكلات التي تناولها، والتي تتصل بمصير البشرية عمومًا. وهذه نقطة إيجابية تُحسب لمصلحة الفن، لكن الأهم هنا هو في طريقة تقديم هذه المشكلات والتفاعل معها. فاختزال الفن في الفكر أو تقييمه على أساس مواقفه المعيارية الأخلاقية أمر غير مناسب. فمن دون فنية أو جمالية وصنعة في تقديم الأفكار، لا يكون الفنُّ فنًا، أو يكون فنًّا سيئًا.
المحاكاة الساخرة للعالم لا تكون ناجحة فنيًّا بالضرورة، بغضّ النظر عن مدى واقعيتها
لعل أهم الحجج التي استحضرها كثيرون للدفاع عن الفيلم ولرفض الانتقادات الموجّهة له، هي حجّة "الواقعية". فالفيلم واقعي والانتقادات الموجّهة إليه لا تأخذ ذلك في الحسبان، ولا تدرك أنّ الفيلم قد حاول أن يعكس الواقع ويقدّم صورةً لهذا العالم. ففي عالمنا هناك الكثير من السخافة والتفاهة وهيمنة رأس المال على السياسة وانعدام وعي بالمخاطر الكبرى التي تتهدّد البشرية ... إلخ. لكن المحاكاة الساخرة للعالم لا تكون ناجحة فنيًّا بالضرورة، بغضّ النظر عن مدى واقعيتها. فأن يكون الفيلم سخيفًا، مثل الواقع الذي يصوّره، لا يجعله ناجحًا بالضرورة. ومع أهمية حجّة الواقعية، أرى، مع وودي آلن، في الفن، مخرجًا من هذا الواقع، ومن انعدام المعنى فيه. فالفن أشبه بالملجأ الذي يسمح لنا بالخروج من لا معنى الواقع وتفاهته إلى ما يمكن أن يكون له معنى أو إلى ما يخلق وهم هذا المعنى في حياتنا. ومن هذا المنظور، يمكن وينبغي للفن ألّا يكون واقعيًّا تحديدًا، أحيانًا.
ومن الحجج المُرتبطة بالواقعية أنّ العالم المعاصر يتطلّب هذه الطريقة المباشرة في التقديم وأنّ نموذج "تيك توك" في المباشرة والسرعة هو النموذج المستقبلي، بل المعاصر الذي ينبغي لنا قبوله، بل تقبّله، والكفّ عن توجيه الانتقادات له. وهناك من يرى في الانتقادات نوعًا من صراع الأجيال، فكبار العمر لن يعجبهم هذا الفن على الأرجح، لأنّ هذا الفن الشاب والصاعد لا يتناسب مع الطرق والعقول القديمة. ربّما كان ذلك صحيحًا، لكن ينبغي التذكير بقول أحد فلاسفة العلم إنّه حتى في العلم لا تسود الحقائق الجديدة إلا بعد موت أصحاب الحقائق القديمة.
الفن ليس مجرّد فكرة، بل هو، بالدرجة الأولى، طريقة تقديم الفكرة
لا أروم في هذه التدوينة رفض الواقعية (في الفن) رفضًا مطلقًا، فمن الممكن لهذه الواقعية أن تعبِّر عن منظورٍ مهمٍّ ما للواقع، وأن تؤدي أدوارًا ووظائف فكريةً وسياسيةً مُفيدةً. ومن المُفيد التذكير أنّ اتجاه الواقعية في الفن الذي ظهر في منتصف القرن التاسع عشر، ورفع شعار "تمثيل الواقع كما هو، دون تجميل أو تهويل"، قد ركَّز على الحياة اليومية للناس العاديين، وللفئات المُهمّشة، مثل العمال والفلاحين، مع اهتمامٍ دقيقٍ بالتفاصيل المادية والملامح الاجتماعية، وتبني موقفٍ نقديٍ من التفاوت الاجتماعي والظلم الكامن في بنية الواقع. لكن هذا الاتجاه تبنى (أحيانًا) رؤيةً اختزاليةً للواقع، مُتجاهلًا فكرة أو حقيقة أنّ "الوجود يُقال بطرقٍ شتىً"، كما قال هايدغر، بعد أرسطو. فلا يمكن للواقع أو الوجود أن يقدّم بصيغةٍ موضوعيةٍ نقيةٍ من المنظورات الذاتية، ولا يمكن للواقعية أن تكون مجرّد مرآةٍ تعكس الواقع، كما هو وبالكامل. فبالضرورة، الموضوعية تمرّ عبر الذاتية، والواقعي متوسَّط بالنظري والخيالي، والمعرفة تأويلية ومنظورية. وينبغي عدم اختزال الواقع في الظاهر والمُتحقّق ولا في المادي والمباشر، فالواقع يمكن أن يتمثّل في الكامن من المشاعر والأفكار والرموز والتجارب الداخلية والمُمكنات المُتعدّدة. وباختصارٍ، يمكن للواقعية في الفن أنّ تكون كاشفةً عن جانبٍ مهمٍّ من جوانب الواقع، لكن ينبغي للاتجاه الواقعي عمومًا أن يُدرك منظوريته ومحدوديته وتعدّد مُمكنات التعبير عن الواقع، حتى من منظوراتٍ "غير واقعيةٍ".
الفن ليس مجرّد فكرة، بل هو، بالدرجة الأولى، طريقة تقديم الفكرة. وواقعية فكرة ما، وشيوع استخدامها في الواقع، لا يعنيان أنّها ذات قيمة بالضرورة. والفن الواقعي بهذه المعنى يمكن أن يكون عديم المعنى تحديدًا. وفي كلّ الأحوال، ينبغي التذكير أنّ رفض واقعٍ ما، هو جزء من الواقع، وبالتالي ينبغي عدم اختزال أيّ واقع في اتجاهٍ واحدٍ. وإلى أن يموت كلّ أصحاب الرؤى الواقعية المُضادة لهذا الواقع وللواقعية السائدة ينبغي عدم إنكار "واقعية" وجودهم في واقعية اختزالية. والواقعية قد تتخذ شكل رفض الواقع وطلب المستحيل، كما يذكِّرنا الشعار الجميل المنسوب لغيفارا، والذي تبنته ثورة فرنسا عام 1968: "كن واقعياً واطلب المستحيل".