الوجود المتدفق في فلسفة العلم
يظلّ الإنسان، منذ قدرته الأولى على التأمّل، يطرح سؤالاً واحداً يتفرّع إلى عشرات الأسئلة: كيف وُجِد كلّ ما حولنا؟ وما موقع الحياة والوعي والإرادة داخل هذا المشهد الكوني الهائل؟
وبالرغم من أنّ هذه الأسئلة تبدو مختلفة في ظاهرها، فإنّها تعود في جوهرها إلى محاولة فهم "الوجود"، لا بوصفه حدثاً مُنفصلاً، بل بوصفه عملية مُمتدّة تربط بين نشأة الكون، وظهور الحياة، وتطوّر الإنسان، وصياغته لمعانيه وقيمه. وبذلك يصبح البحث في أصل العالم، وفي طبيعة الحياة، وفي حدود الإرادة البشرية، سلسلة من الأسئلة التي تضيء بعضها بعضاً، ولا يمكن فصلها ما دام الإنسان هو نقطة التقاء العلم بالفلسفة.
حين نتساءل عمّا إذا كان العالم مخلوقاً أم حدث بالصدفة، فنحن في الواقع نحاول فهم بنية الكون وحدوده، وما إن كانت القوانين التي تحكمه قد نُسجت مرّة واحدة أو ظهرت تدريجياً مع تحوّلاته الأولى. العلم لا يقدّم حكماً نهائياً حول "السبب الأول"، لكنه يتيح لنا رؤية دقيقة لِما يمكن تسميته "سيرورة الوجود" أو "الوجود المتدفق". فالكون، كما توضّحه الفيزياء الكونية، بدأ من حالة كثيفة وحرارة هائلة ثم تمدّد، وهي لحظة لا تخبرنا عن لماذا حدث الانبثاق؟ لكنها توضّح كيف تطوّرت البنية الكونية منذ أجزاء من الثانية وصولاً إلى المجرّات والنجوم والكواكب. وما يُسمّى بالخلق هنا ليس نفياً لمفهوم الخالق ولا تأكيداً له، بل توصيف لمسار قابل للدراسة، يترك الباب مفتوحاً أمام الفلسفة لتبحث في الإجابات، وأمام العلم لدراسة القوانين.
لا يقدّم العلم حكماً نهائياً حول "السبب الأول"، لكنه يتيح لنا رؤية دقيقة لِما يمكن تسميته "سيرورة الوجود" أو "الوجود المتدفق"
ومن داخل هذا الكون الذي يبلغ من العمر حوالي 14 عشر مليار سنة، والذي يزداد اتساعاً وتعقيداً، تظهر الحياة "كمرحلة لاحقة" وليست حدثاً معزولاً. فالأدلة العلمية تشير إلى أنّ الحياة لم تصل "جاهزة"، بل تشكّلت تدريجياً عبر تفاعلات كيميائية طويلة أنتجت أولى الجزيئات القادرة على النسخ الذاتي. ومع تراكم الطفرات وتنوّع البيئات والانتخاب الطبيعي، بدأت مسيرة التطوّر التي قادت إلى الكائنات متعدّدة الخلايا، ومنها الإنسان. ليست الحياة إذن مفاجأة كاملة ولا نتيجة "حتمية مطلقة"، بل حدث بيولوجي مُعقّد يجمع بين فرص العشوائية وإمكانيات القوانين الطبيعية. ومع أنّ التطوّر يفسّر التكاثر بوصفه أداة لبقاء السلالة، فإنّ وجود الإنسان يضيف إلى هذه العملية معنى جديداً، إذ يصبح الكائن نفسه قادراً على طرح الأسئلة التي لم تكن للكائنات قبله، وقادراً على البحث عن غاية تتجاوز إطار البقاء البيولوجي.
ومن هنا يظهر دور "الوعي"، تلك القفزة التي تجعل الإنسان يرى نفسه ويرى الوجود من حوله. وعلى الرغم من أنّ الدماغ يخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء، فإنّ الإرادة الإنسانية لا تُختزل في هذه القوانين كما تُختزل حركة الجسيمات. فالإنسان لا يتصرّف استجابة آلية للمؤثّرات، بل يبني اختياراته وفق خبرته وذاكرته وتفكيره الطويل. وما تسمّيه الفلسفة "الحرية" هو في نظر العلم عملية عصبية عليا تنشأ من تفاعل ملايين الخلايا، لكنها في النهاية قدرة حقيقية على المراجعة والتخطيط واتخاذ القرار. وهكذا يظهر أنّ الوعي ليس خروجاً من الطبيعة، بل أحد "أرقى نتاجاتها"، ليس منفصلاً عن القوانين، لكنه يشتغل داخلها بطريقة تمنح الإنسان مساحة من الاستقلال النسبي، وتجعله مسؤولاً عن أفعاله وقراراته ومصيره.
الأدلة العلمية تشير إلى أنّ الحياة لم تصل "جاهزة"، بل تشكّلت تدريجياً عبر تفاعلات كيميائية طويلة
هذا الوعي الذي يفكّر في ذاته يقود إلى إعادة النظر في السؤال الأوّل: ما العالم؟ ما الوجود؟ ما أصل الحياة؟ ماذا بعد الموت؟ من خلال هذه الأسئلة الفلسفية، ومن هنا تتقدّم الفيزياء الحديثة، وخصوصاً النسبية الخاصة والعامة، لتُعيد صياغة الصورة القديمة، تاريخ وبدايات تشكّل للكون. فقد بيّنت النسبية أنّ المكان والزمان ليسا إطارين ثابتين، بل هما نسيج واحد يتغيّر تبعاً للحركة والكتلة والطاقة. وبيّنت النسبية العامة أنّ "الجاذبية" ليست قوّة منفصلة بل "انحناء" في هذا النسيج، وأنّ الأجسام تتّبع مسارات تحدّدها بنية الزمكان نفسه. هذه الرؤية لم تُستخدم فقط لتفسير حركة الكواكب، بل صارت أساساً لفهم الكون الواسع، من تمدّده إلى تشكّل الثقوب السوداء. وبفضل هذه النظرة، عاد سؤال أصل العالم ليأخذ شكلاً أكثر عمقاً، إذ صار مرتبطاً ببنية الزمكان ذاته لا بمجرّد مادّة تتناثر في فراغ ساكن.
وبين هذا المنظور الكوني وبين أصل الحياة وإرادة الإنسان تتشكّل خيوط فكرة فلسفية علمية واحدة: أنّ الوجود ليس "حادثة منفصلة" يمكن فهمها بإجابة واحدة جاهزة، بل منظومة مُترابطة تبدأ من قوانين كونية شاملة، وتمرّ عبر مسار وتدفّق بيولوجي طويل، وتنتهي بكائن مفكّر يضيف شكلاً جديداً من الحياة. الإنسان ليس نقيض العالم، بل امتداده الأكثر قدرة على الفهم، وهو لا يبحث عن الغاية لأنها مفروضة عليه بالضرورة، بل لأنه يمتلك وعياً يسمح له بتجاوز دور البقاء إلى دور التأويل وابتكار القيم.
وبذلك يصبح السؤال عن أصل العالم، وعن ظهور الحياة، وعن الإرادة والغاية، تساؤلاً واحداً في جوهره الفلسفة العلمية: كيف يتحوّل الكون من بنية مادّية خاضعة للقوانين إلى تجربة إنسانية مليئة بالبحث والسؤال؟ العلم يقدّم أدوات الفهم، والفلسفة تمنح إطار التأمّل، والإنسان يجمع بينهما ليصنع صورة للوجود يمكنه أن يعيش داخلها بوعي ومسؤولية. هكذا تتوحّد الأسئلة في سياق واحد، وتصبح الرحلة الفلسفية إلى فهم الوجود رحلة إلى فهم أنفسنا في قلب هذا الكون المُتغيّر.