حين تقود الحكايات خطوات النساء نحو التغيير

23 ديسمبر 2025
+ الخط -

(إن أفضل طريقة لحفظ الرواية هي سردها) حنة أرندت.

أعقب الإعلان عن البلاغ رقم 17 الموقَّع من وزير العدل بتاريخ العاشر من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، الكثيرُ من الاعتراضات والمداخلات والتفسيرات والمقاربات الحقوقية والقانونية والشرعية والنسوية والشخصية. لكن الأبرز كانت الحكايات المرويّة شفاهيةً أو كتابةً، وقد تحوّلت إلى سيلٍ جارفٍ من الشهادات الشخصية والعامة لنساءٍ معيلات، لأمهاتٍ وحيدات، لبناتٍ يتيمات، لنساءٍ مطلّقاتٍ وأرامل، لناشطاتٍ نسويات وعاملاتٍ في حقل حماية النساء ودعمهنّ، حتى إن هذا السيل قد سجّل بوضوح مشاركةً غير مسبوقة لرجالٍ متضامنين مع النساء السوريات المجرّدات من حقوق الوصاية والولاية، الذي حرّك صدورُ البلاغ مسارًا عاصفًا لمّا يهدأ بعد.

تحوّلت القصص فعليًّا إلى سيلٍ جارفٍ لا يمكن ردّه، ولا يتّسع الوقت للإنصات إليه بعنايةٍ واهتمامٍ كما ينبغي وكما يستحق، ولا تكفي التعليقات لإبراز التضامن أو تصويب دفّة الاعتراضات، أو تحويلها إلى حملةٍ منظّمة. لكن من دواعي الرضا النسبي أنّ حملة التضامن استطاعت تصويب الرؤية وتأكيد الآثار السلبية المترتّبة عن إعادة إحياء مضمون هذا البلاغ وسحبه إلى المساحة العامة، وذلك عبر المشاركة والتضامن وسيولة التعليقات والمواقف والمطالبات ليس بالتعديل فحسب، بل بصياغةٍ جديدة تقوم على المساواة في المسؤولية والشراكة والعدل والإنصاف، وتنتصر لضمان حقوق النساء والأطفال.

القصص التي بدت وكأنها جروحٌ غائرة، لكنها مؤجّلة، تفتّحت بسرعةٍ وكثافةٍ لم تشهدها قضيةٌ قانونية تتعلّق بالنساء والأمهات والعائلة والأطفال من قبل، حتى إنّ حملات التبرير الموازية، الرسمية والشعبية منها، قد عجزت عن تحقيق أهدافها بإسكات سيل الحكايات والمقابلات والفيديوهات والمقالات الصحافية التي تحوّلت فعليًّا إلى مساحةٍ حقيقية من الأخذ والردّ على قاعدةٍ رسمية قطعية تصف كلّ من اعترض بأنه لم يفهم أصلًا مضمون البلاغ المذكور، وبأنّ مضمون البلاغ لا يخالف مطلقًا الدستور ولا يعتدي على حقوق النساء السوريات.

في المحصّلة، لم يركن جمهور المعترضات والمعترضين إلى الصيغة المطلوب الاستسلام لها عبر الادّعاء أنّ البلاغ، على العكس ممّا اجتاح شبكات التواصل، يسعى لدعم النساء ولحماية الأطفال والعوائل ولتخفيف العبء الإداري على المؤسّسة الرسمية وعلى أصحاب وصاحبات الحقوق معًا، وبأنه يهدف إلى تحسين الظروف المحيطة والمفروضة على النساء.

بات من الضروري والملحّ تغيير قانون الأحوال الشخصية برمّته وفق صيغةٍ وطنية تشمل كافّة السوريات بغضّ النظر عن الطائفة والمذهب.

لكن تلك العروض التي لم تتجاوز طلبين اثنين، وهما: السماح لأمهات الأطفال السوريين القاصرين باستصدار جوازات سفر لأبنائهنّ، بالإضافة إلى إمكانية موافقة الهجرة والجوازات على سفر الأطفال بمرافقة والدتهم في حال تعذّر حضور الأب ومن يليه وصولًا إلى عمّ جدّه لوالده، للضرورة القصوى التي يقدّرها مدير إدارة الهجرة والجوازات.

يبدو واضحًا أنّ النساء السوريات تحديدًا، وخصوصاً الزوجات والمطلّقات والأرامل والأمهات، قد تعلّمنَ جيّدًا كيف يروينَ حكاياتهنّ! يبدو الألم واضحًا وممتدًّا، لكنه مرتَّب بعناية ليلقى أُذُنًا صاغية، معتنًى بتقديم تفاصيله لتقديم قصةٍ متماسكة بليغة ومؤثّرة. الأكثر أهميةً ومدعاةً للثقة أنّ كلّ القصص والرسائل كانت مصحوبةً بمطالباتٍ واضحة ونَدّية، كلّ المطالبات استندت إلى خبرةٍ تعلّمتها النساء السوريات في سنين الثورة وفي المنافي والمخيّمات وفي بلاد اللجوء وأماكن النزوح، تعلّمت النساء السوريات جيّدًا بكلّ ما يملكنَه من إرثٍ تمييزي وبكلّ ما عانينَ منه مع أطفالهنّ، تعلّمنَ أن ترتبط الـ"لا" الصارخة بسؤالين اثنين: كيف؟ وماذا بعد؟

في قضايا الحضانة والولاية والوصاية وتثبيت الحقوق المشتَّتة والمغيَّبة بفعل قوانين تمييزية، بات من الضروري والملحّ تغييرها بصورةٍ جذرية وقطعية، وأوّلها قانون الأحوال الشخصية المفصَّل على قاعدةٍ دستورية: "حقوق الطوائف مصونة ومَرعيّة". إن من الضروري جدًّا تغيير قانون الأحوال الشخصية برمّته وفق صيغةٍ وطنية تشمل السوريات كافّة بغضّ النظر عن الطائفة والمذهب.

تبقى حكايات الأمهات والنساء السوريات مع التمييز والقهر ممتدّةً كسيلٍ لا ينقطع، حكاياتٌ تقود خطوات النساء السوريات نحو التغيير.

سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك
مدونة سورية تقيم في دمشق، تكتب مقالات وتحقيقات صحافية، وصدرت لها ثلاث مجموعات قصصية. تكتب في مواضيع النسوية والجندر وتهتم بقضايا العنف الاجتماعي.
سلوى زكزك

مدونات أخرى