دمشق... بين هيمنة المركز ورأس المال الروحي

27 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:11 (توقيت القدس)
+ الخط -

أمام لعنة العواصم والجمود المركزي تتبدّى دمشق مدينة المُتناقضات، مُعلّقة بين الصراعات السلطوية ومدارج الروحانية، مدينة تعي الآلهة والشياطين، تتسع لكلّ أصوات الموت والحياة، لتظلّ سؤالاً مُعلّقاً في الوعي الجمعي لساكنيها: كيف يمكن لمدينة واحدة أن تعي كلّ تلك التناقضات بين المراكز والزوايا والتكايا والدوائر؟ كيف يمكن لكيان حضري واحد أن يجمع بين آلة الجمود ودينامية الروح، بين هيكل الجسد وانسياب الروح؟

لعنة العواصم وسردية الهوية

بحسب بيير بورديو، ليست العواصم مجرّد مدن كبرى بل حقول رمزية تتصارع فيها القوى على إنتاج الهيمنة. ولذا، فإنّ دمشق - تبعاً للسياق- تمثّل مركز الأب الرمزي، حيث تفرض السلطة خطابها، وتُعيد تشكيل الذاكرة الجمعية بما يخدم سرديتها، فتغدو العاصمة مُكبِّلة ومُكبَّلة بقيود الصوت الأحادي والفكر المؤسساتي الجامد. ولكن ماذا عن الوجه الآخر للمدينة العتيقة!

الحداثة السائلة والشتات

في مقاربة زيغمونت باومان، تعيش العواصم في ظلّ حداثة سائلة، إذ تتفتّت الروابط التقليدية وتذوب الحدود بين الأمان والخوف، بين القلق والاستقرار. ولعلّ دمشق تجسّد هذا النموذج ولكن على نحو مأساوي، فهي المدينة التي طالت فيها الصراعات واستشاطت، مدينة تعيش في ظلّ الخوف السائل، خوف لا ملامح له ولا حدود، يمتدّ من الذاكرة إلى اليومي، من الفرد إلى الجماعة.

لعنة العواصم، ليست فقط سياسية أو بيروقراطية، بل وجودية أيضًا

لكن، أليس الخوف نفسه شكلاً من أشكال الهيمنة الرمزية؟ ألا يتحوّل إلى أداة لضبط الوعي الجمعي ليغدو الناس أسرى قلق دائم؟ بهذا المعنى تصبح لعنة العواصم، ليست سياسية أو بيروقراطية فحسب، بل وجودية أيضًا.

لذة الانفلات الصوفي

على الضفة الأخرى، وخلف وجه المدينة المركز، المدينة السلطة، ثمّة دمشق أخرى تسكن في العتمة: دمشق الصوفية، دمشق التي كتب عنها ابن عربي أنّ "القلب أوعية الحقائق"، والتي أنشد فيها ابن الفارض: "زدني بفرط الحبّ فيك تحيّرا". هنا يتشكّل رأس مال رمزي بديل للمدينة، رأس مال روحي لا يقوم على السيطرة، بل على الانفتاح الحر.

مدينة لا تستقر على تعريف واحد بل تتحرّك بين العنف الرمزي والهيام الصوفي، بين الخوف السائل والأمل في الخلاص

حيث شكّل التصوّف في دمشق أحد أشكال المقاومة الناعمة للسلطة، ليطالعنا هنا قول النّفري "كل ما في الوجود مرايا الله، فانعطف بقلبك لتراه." وكأنّ دمشق، بهذا الانعطاف صوب سرّها الداخلي، تقاوم العنف الخارجي. وكأنّنا بها نقاوم آلامنا المفتوحة.

دمشق، سؤال لا ينتهي...

لعلّ تجربة دمشق المُتفاوتة في كونها عاصمة جامدة ومقاماً روحانياً ليست إلا جدلية مفتوحة بين هُويّة أحادية وروح تنفلت صوب المُطلق.

لعلّ هذا التوتّر يجعلها كيانًا وجوديًا استثنائيًا، مدينة لا تستقر على تعريف واحد بل تتحرّك بين العنف الرمزي والهيام الصوفي، بين الخوف السائل والأمل بالخلاص.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف تغادرنا دمشق وهي التي دقّت مسمار نعشنا الأخير، وهي التي فجّرت سرّ روحنا الأوّل؟