"صحافة التشهير"... مقبرة المعنى في زمن الفضيحة
يشكّل التشهير طقساً جنائزياً للمعنى، حيث تُدفن الحقيقة تحت أكوام من العار المصنوع بعناية. وفي صحافة التشهير تُعطى الأولوية للجلد الرمزي على الوقائع، فتعلّق الإنسان على جدار الكلمات وتتركه ينزف أمام جمهور متعطّش للفرجة.
هذا ما لاحظه ميشيل فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة"، حيث العقاب يشمل الروح ويصبح جزءاً من المُمارسة الاجتماعية للسلطة. فكلّ عنوان يلمع على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي يتحوّل إلى سيف، وكلّ صورة مشوّهة على الشاشة تصبح مشهداً لعقوبة جماعية، كما ظهر في حالات عديدة خلال منصّات التواصل مثل فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب وتلغرام...، حيث يمكن نشر شائعات عن سياسي أو شخصية عامة وتستمر لعشرات الأيام، مهما كانت الأدلة ضعيفة أو مختلقة أو مضلّلة. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يجعل التشهير مغرياً لفئات واسعة من المجتمع؟
الجاذبية المُغرية للتشهير تكمن في تقديم العالم مثل "سيرك أخلاقي"، حيث يمكن لأي فرد أن يتحوّل في لحظة إلى بهلوان عارٍ تحت الأضواء، والجمهور يشهد الانحدار باعتباره عرضاً مسلّياً. في هذه الحالة تؤدي الصحافة دور المقصلة، آلة لإعادة إنتاج الإعدام العلني بأسلوب حديث، متوافقة مع ما وصفه الكاتب الفرنسي جي ديبور في كتابه "مجتمع الاستعراض"، بأنّ السيطرة على الصور تتحكّم في العقول، فتُحوّل المشاهدين إلى مُستهلكين للدراما الرمزية أكثر من كونهم متلقين للحقائق. مثال على ذلك الانتشار السريع لصور معدّلة أو مقاطع فيديو لمشاهير أو سياسيين خارج سياقها، فتتحوّل الحادثة الصغيرة إلى فضيحة وطنية أو عابرة للقارات، بينما تظلّ الحقيقة في الظل.
تبيع الرأسمالية الإعلامية القلق أكثر من الأخبار، وتؤسّس سوقاً للرهبة حيث يصبح القارئ مُستهلكاً لها على الدوام
إنّ صحافة التشهير تجمّد الزمن، فتحجز الإنسان داخل لحظة سقوطه وتحوّلها إلى هوية أبدية (وصمة عار)، فالمذنب يبقى مذنباً حتى إذا تعذّر إثبات الإدانة، إذ تلغي الفضيحة إمكانية المشروع المستقبلي للإنسان وتحوّل مسار وجوده إلى حادثة ثابتة. أشار جان بول سارتر في كتابه "الكينونة والعدم" إلى أنّ الإنسان محكوم عليه بأن يكون حرّاً، ويخلق ذاته في كلّ لحظة من وجوده، لكن التشهير يحوّل هذه الحرية إلى قيد مستمر، محكوم عليه بأن يُعرّف نفسه دائماً عبر أخطاء مُعلنة أمام الآخرين. مثال حيّ على ذلك ما يحدث للأشخاص الذين يتعرّضون للتشهير على الإنترنت؛ فحتى بعد اعتذار أو تصحيح، يبقى اسمهم مرتبطاً بالفضيحة، ويتغيّر تصوّر الناس عنهم بشكل دائم.
وقد شهدت السنوات الأخيرة العديد من قضايا التشهير الإعلامي التي سلّطت الضوء على تأثير وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في تشويه السمعة، ومن أبرز هذه القضايا قضية بريتاني هيغينز وليندا رينولدز في أستراليا عام 2025، حيث حكمت المحكمة العليا لصالح السيناتورة السابقة ليندا رينولدز ضدّ هيغينز وزوجها بتهمة التشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعد اتهام رينولدز بالتعامل السيئ مع ادّعاء هيغينز بالاغتصاب، وهو ما نفاه المُتهم، ومنحت المحكمة رينولدز تعويضًا قدره 341,000 دولار أسترالي، مؤكّدة أنّ تصريحات هيغينز كانت مشوّهة وغير دقيقة. وفي الولايات المتحدة، خسر المحامي آلان ديرشوفيتس استئنافًا ضدّ شبكة CNN في أغسطس/آب 2025 بعد اتهامها له بالترويج لنظريات مؤامرة خلال محاكمة الرئيس السابق دونالد ترامب، وأكّدت المحكمة أن "سوء النية الفعلية" لم يُثبت، وهو الشرط اللازم في قضايا التشهير ضدّ الشخصيات العامة.
يُنتَج العار اليوم وفق قواعد اقتصادية وقوانين اجتماعية وأبطال إعلاميين، ليصبح مؤشّراً لقيمة الإنسان في الفضاء الرقمي
كذلك أثارت قضية "Wagatha Christie" بين كولين روني وريبيكا فاردي في المملكة المتحدة عام 2022 اهتماماً واسعاً، عندما رفعت روني دعوى تشهير ضدّ فاردي بعد اتهامها ببيع قصص صحفية عنها، وحكمت المحكمة لصالح روني، ما أبرز تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام حول قضايا التشهير. وأخيراً، تسبّبت قضية "A Rape on Campus" التي نشرتها مجلة Rolling Stone عام 2014 في أزمة كبيرة، حيث زعمت المجلة وقوع اغتصاب جماعي في جامعة فرجينيا، وتبيّن لاحقاً أنّ القصة كانت مفبركة، ما أدّى إلى انتقادات واسعة وفقدان المجلة لمصداقيتها.
تحت هذا السقف الرمزي، تتحوّل الفضيحة إلى سلعة والخوف إلى رأسمال، فتبيع الرأسمالية الإعلامية القلق أكثر من الأخبار، وتؤسّس سوقاً للرهبة حيث يصبح القارئ مُستهلكاً لها على الدوام، عالماً بأنّ اسمه قد يتحوّل إلى مادة رخيصة في أيّة لحظة. هذا التلاعب بالقلق الجماعي يذكّر بما قاله نيتشه في هكذا تكلم زرادشت: "البشر يكرهون حين يشعرون بالعجز، فتُشبع الفضيحة حاجة الجماهير إلى السيطرة الرمزية على الآخرين عبر مشاهدة سقوطهم وتكرار فضائحهم". ومثال ذلك حملات تشهير متعمّدة على منصّات التواصل الاجتماعي ضدّ موظفين أو شباب عاديين، حيث تصبح حياتهم الخاصة مادة للتسلية الجماهيرية، رغم عدم وجود أيّ جرائم مُثبتة.
علاوة على ذلك، صحافة التشهير تعيد إنتاج الغيبة والنميمة الشعبية في شكل عصري، مع فارق جوهري: ما كان هامشياً صار مركزياً، وما كان عيباً صار صناعة مدروسة بدقة، فالعار اليوم يُنتَج وفق قواعد اقتصادية وقوانين اجتماعية وأبطال إعلاميين، ليصبح مؤشّراً لقيمة الإنسان في الفضاء الرقمي. ذكر أورويل في روايته "1984" أنّ من يملك الماضي يملك المستقبل، ومن يملك الحاضر يملك الماضي، فتشييد صورة مزيّفة للآخر يعيد رسم مساره ويقيّده داخل سرد جماعي لا يمكنه الفرار منه. مثال على ذلك التشهير بالسياسيين عبر الصور والفيديوهات المُفبركة، التي تُستخدم لإضعاف مصداقيتهم قبل الانتخابات أو لإحداث انقسامات اجتماعية.
تشييد صورة مزيّفة للآخر يعيد رسم مساره ويقيّده داخل سرد جماعي لا يمكنه الفرار منه
على المستوى الأنطولوجي، خطاب التشهير يمحو الإنسان لصالح الصورة، فيتحوّل الفرد إلى أيقونة للعار، صورة مشوّهة معلّقة على الجدار الرقمي، تتكرّر بلا نهاية أمام أعين جمهور متربّص، فكلّ فضيحة تُعيد رسم حدود القوّة، وكلّ قارئ يصبح شاهداً على السقوط، وكلّ مُتهم يُحاكم في محكمة جماهيرية بلا دفاع. وهكذا، تتحوّل الصحافة إلى تجربة وجودية جماعية، ومشهد انعكاس للطبيعة البشرية الغرائزية، وللقلق الجماعي، وللطموح الأبدي للتحكّم بصورة الآخر.
في الأخير، يكشف التشهير عمق الأزمة الإنسانية؛ كيف يحافظ الفرد على ذاته وكرامته في عالم تُختزل فيه الهُويّة إلى صور مشوّهة، وحيث يصبح السقوط مادة مستمرّة للتسلية والمراقبة الجماعية؟
إنّ التشهير بهذا المعنى يتحوّل إلى اختبار فلسفي وجودي، يقيس القدرة على البقاء كذات حرّة وسط قسوة الصورة العامة، واستمرار الحياة رغم الهجوم المستمر على الجوهر الداخلي للفرد، كما شهد العالم أخيراً عبر قصص شخصيات عامة تعرّضت للتشهير على منصّات التواصل ثم عادت إلى الحياة الاجتماعية، لكنها بقيت مرتبطة بالفضائح في أذهان الآخرين.