صعود المستشارين الجدد

01 نوفمبر 2025
+ الخط -

يتضمّن عالمي المهني بُعداً كاملاً يعيش خلف الواجهات الزجاجية للمكاتب الفارهة في البنايات العالية، عالم لا يُرى إلا من خلال بدلات أنيقة وعروضٍ تقديمية لامعة وتقارير مُتقنة الكتابة وأموال لا تأكلها النيران، هو عالم الاستشارات وخصوصاً الدولية. عالمٌ، في ظاهره الانضباط والذكاء والاحتراف، وفي باطنه كثيرٌ من الكولسات والصفقات، ولقاءات الأعمال الباهظة، والمصطلحات التي تلمع أكثر مما تُنير. إنّه عالم يستند إلى فكرة أنّ المعرفة أثمن ما يمكن بيعه، وأنّ الخبرة قد تكون سلعة أغلى من الذهب ما دامت مُحاطة بهالة الثقة، وأنّ لكلّ مشكلة حلاً إن كنت قادراً على تحمّل الأتعاب. ولعقودٍ طويلة، ظلّ هذا العالم محكوماً بهرمٍ صلدٍ يتربّع على قمّته عمالقة الطبقة العليا (MBB) ويضم شركات ماكينزي، ومجموعة بوسطن، وباين آند كومباني. تتبعهم طبقة النبلاء المُتمثّلة في الأربعة الكبار في التدقيق والاستشارات (ديلويت، وبي دبليو سي، وكي بي إم جي، وإرنست آند يونغ)، مُحصّنين بسمعةٍ تبدو في نظر عملائهم أقرب إلى العصمة المهنية.

لكن خلف هذا اللمعان، يدور مسلسل طويل من الفضائح والمكائد. مسلسلٌ قد لا يختلف كثيراً عن مسلسل "دالاس" الشهير، أبطال كبار، ومؤامرات مُتكرّرة، ونهايات مؤجّلة دائماً. من دور شركة ماكينزي في أزمة الأفيونيات، إلى دور شركة باين في جنوب أفريقيا، واستخدام شركة ديلويت غير القانوني للذكاء الاصطناعي في أستراليا، مروراً بفضائح التدقيق التي تُلاحق الأربعة الكبار، تتوالى المواسم من دون توقّف. ومع كلّ حلقة جديدة، يبدو أنّ الجمهور، خصوصاً العملاء، يعود لمشاهدة الموسم التالي بشغف أكبر. الغرامات تُدفع، والسمعة تُغسل، والعقود تُجدَّد. وكأنّ السوق كلّه متواطئ على معادلة غريبة: نُدينهم لحظياً، لكننا نستمر في التعاقد معهم لأنّهم الكبار.

ومع ذلك، فإنّ السكون الظاهري يُخفي حراكاً عميقاً في البنية التحتية لهذه الصناعة. فبينما تتأرجّح الأخلاقيات في أعلى الهرم، تتشكّل في الأسفل طبقة جديدة من اللاعبين الصاعدين، شركات صغيرة مُتخصّصة ومستشارون مستقلون، يقتحمون المساحات التي أهملها الكبار. هذه الكيانات ليست مثالية، لكنها أسرع وأذكى وأكثر مرونة. لا تبيع استراتيجيات عابرة للقرون، بل حلولاً واقعية في مجالات دقيقة قابلة للتطبيق وتتوافق مع السياقات المحلية، وتركّز على الأثر. يفعلون ذلك من دون بيروقراطية، ومن دون جيشٍ من المستشارين المُبتدئين الذين يتناوبون على إعداد العروض التجميلية المنسوخة من أرشيف الشركة المهول.

عالمٌ، في ظاهره الانضباط والذكاء والاحتراف، وفي باطنه كثيرٌ من الكولسات والصفقات

العملاء بدورهم بدأوا يفقدون صبرهم على الفواتير الفلكية مقابل تقارير لا تُنفّذ. لقد تعبوا من التحليلات ويريدون النتائج. يريدون شريكاً في التغيير، لا مؤلفاً في الأدراج. وهنا تكمن نقطة التحوّل الحقيقية، فالمستشار المُستقل، أو الشركة الصغيرة المُتخصّصة، قادر اليوم على تقديم الخدمة نفسها التي كانت تتطلب فريقًا عالميًا من خمسين شخصًا قبل عقدٍ من الزمن. فالتخصّص والفهم القطاعي بات السلعة الأثمن، والتكنولوجيا قلّصت فجوة القوّة، والإنترنت ألغى حواجز الشهرة، والمنصّات المهنية جعلت الثقة قابلة للبناء عبر الإنجاز لا عبر العلامة التجارية.

الذكاء الاصطناعي بدوره زلزل البنية القديمة من الداخل. لم تعد القيمة في عدد ساعات العمل المفوترة، بل في الفهم العميق، وفي القدرة على قراءة الظواهر المُركّبة لا في إعادة تدوير الشرائح السابقة. أصبح بإمكان خبيرٍ مُستقل، يعمل من مكتبه المنزلي، أن يحلّل سوقاً بأكمله أسرع مما كان يفعله فريق استشاري كامل قبل سنوات، وبشكل أدق وأفضل عندما يُمزج بمعرفة الخبير وخبرته. وحين تضيف إلى ذلك التخصّص العميق والتكلفة المُنخفضة، تصبح المعادلة قاتلة للكبار؛ نتائج أفضل، بسرعة أكبر، وبسعر أقل.

لم تعد القيمة في عدد ساعات العمل المفوترة، بل في الفهم العميق، وفي القدرة على قراءة الظواهر المركبة

هذه التحوّلات لا تعني أنّ العمالقة سيسقطون غداً، لكنهم يتراجعون بخطى ثابتة. مكانتهم التاريخية والثروات المهولة التي جمعوها عبر العقود تضمن لهم البقاء لبعض الوقت، لكن أركان سلطتهم بدأت بالتآكل ببطء. فالحكومات والشركات الكبرى التي اعتادت التعاقد معهم باتت تكتشف أنّ الخبرة لم تعد حكراً على المكاتب التي تمتدّ من نيويورك إلى سنغافورة، بل يمكن شراؤها من مكتبٍ صغير في عمّان أو القاهرة أو بيروت. ومع الزمن، سيصبح الاعتماد على الأسماء بدلاً من الكفاءات رفاهيةً لا تقدّرها الأسواق الذكية.

ومع أنّ بعض الكبار يحاولون التكيّف من خلال إنشاء أذرع تكنولوجية أو وحدات استشارات مُتخصّصة أو استحواذات على شركات ناشئة، إلا أنّ السؤال يبقى مفتوحاً: هل يمكن للعمالقة أن يعيدوا اختراع أنفسهم في زمنٍ أصبحت فيه الموهبة الفردية أقوى من الهيكل؟ هل يستطيعون أن يتخلّوا عن نموذجهم الهرمي الذي عاش عليه السوق عقوداً كاملة؟ أم أنّ التاريخ سيُعيد نفسه، ويُضاف اسمٌ جديد إلى قائمة المفقودين في معجم الاستشارات، إلى جانب أخيهم الأكبر آرثر أندرسن الذي كان يوماً أحد الخمسة الكبار، قبل أن يسقط ويصبح مجرّد درس في أدبيات الإدارة؟

ربما تكون الإجابة في مكانٍ ما بين هذين المصيرين. فالعالم في العادة لا يقتل عمالقته مثل ما فعل زيوس، بل يتركهم يتآكلون ببطء، بينما يزدهر الجيل الجديد حولهم. هذا الجيل من المستشارين المستقلين والشركات الصغيرة المُتخصّصة لا يسعى إلى هدم جبل الأولمب، بل إلى إعادة هندسته وتشكيله عبر استشارة أكثر صدقاً وأثراً، أقرب إلى العميل، وأقل كلفةً، وأكثر واقعيةً. وعندما يحدث ذلك بالكامل، لن يكون السؤال من يقود السوق، بل من يستحق أن يُسمى مستشاراً في زمنٍ صار فيه الذكاء والخبرة والنتيجة، لا الشعار، هي العملة الحقيقية.

محمد صالح
محمد صالح
مستشار وخبير في التنمية الدولية والتطوير المؤسسي، تركز جهوده وخبراته على إصلاح القطاع العام وتنمية المجتمعات المحلية. أدار وعمل في العديد من المشاريع المموّلة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والاتحاد الأوروبي في مجالات التنمية وسيادة القانون.