فوز ممداني، فوزٌ للديمقراطية والمدنية
أثار فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك الكثير من مشاعر البهجة في العالم العربي والإسلامي. وتنوعت أسباب هذه البهجة، ولا أنوي هنا إحصاء هذه الأسباب، فضلًا عن مناقشتها، بل أنوي التركيز على خطأ أحد أو بعض تلك الأسباب، ليس لقتل البهجة وإزالة السحر عن هذا الفوز في عيون بعض المحتفلات والمحتفلين، بل لتقديم تسويغٍ أقوى وأفضل لتلك البهجة الممكنة، والتفكير أو التفاكر في العبرة أو العبرات التي يمكن الاستفادة منها في هذا السياق.
ثمة من رأى في نسب ممداني الديني (الإسلام) سببًا، بل السبب، في الاحتفال بهذا الفوز، وعدّوا ذلك الفوز انتصارًا لممداني المسلم أو للمسلمين وللإسلام نفسه. المفارقة الطريفة نظريًّا، والمفجعة عمليًّا، التي أود التركيز عليها، هي أن بعض هؤلاء المحتفلين يصرون، هم أنفسهم، على أن شخصًا من الأغلبية الدينية أو الطائفية في بلدهم هو من يجب أن يحكم، وأن هذا ما تعنيه أو تقتضيه الديمقراطية، فقط، وبالضرورة.
ما يتجاهله أو يجهله المحتفلون المذكورون أن ممداني لم يفز لأنه مسلمٌ، بل فاز، بغض النظر عن كونه مسلمًا، بالدرجة الأولى، وعلى الرغم من كونه مسلمًا، بالدرجة الثانية. فإذا انطلقنا من منظور الناخبات والناخبين في نيويورك، فإن نسبة المسلمين في الولاية لا تتجاوز 10% من السكان، ومعنى ذلك أن الأغلبية الساحقة من المصوتين لم يصوتوا (له) بناءً على نسبهم أو نسب ممداني الديني. وتنبغي الإشارة إلى أن نيويورك تضم أكبر مجموعةٍ يهوديةٍ (خارج إسرائيل/ فلسطين المحتلة) في العالم، حيث يتجاوز عدد اليهود 1.100.000 شخص، وتتجاوز نسبتهم 13% من مواطني نيويورك. ومع ذلك، وعلى الرغم من كونه مسلمًا، وبغض النظر عن ذلك، وعلى الرغم من موقفه المنتقد، بشدةٍ، لإسرائيل، ومن تصريحه بأنه سيأمر باعتقال نتنياهو إذا جاء إلى نيويورك، فإن ثلث اليهود النيويوركيين، على الأقل، صوتوا له. وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن ممداني رفض، بحزمٍ، الخلط بين انتقاد إسرائيل واحتلالها وجرائمها من جهةٍ، ومعاداة السامية من جهةٍ أخرى، وشدد على وجوب الوقوف ضد معاداة السامية (التي تتخذ صيغة تبني موقفٍ سلبيٍّ من اليهود لمجرد أنهم يهودٌ) وضدَّ كل أشكال التمييز العنصري القائمة على أساس أي انتماءٍ نَسَبيٍّ (دينيٍّ أو جنسيٍّ أو إثنيٍّ ... إلخ).
فوز ممداني ليس مجرد فوزٍ للحزب الديمقراطي على الحزب الجمهوري، ولا للجيل الشاب على الجيل القديم، بل هو، بالدرجة الأولى والعاشرة، فوزٌ للديمقراطية. فمن علامات الصحة (الديمقراطية) أن يفوز سياسيٌّ في انتخاباتٍ حرةٍ، بغض النظر عن نسبه (دينه أو عرقه أو جنسه أو إثنيته ... إلخ)، أو على الرغم من هذا النسب. وهو فوزٌ للديمقراطية، لأن أغلبية الناس (العاديين) صوتوا له، على الرغم من أن الأغلبية الساحقة، بكل معاني الكلمة، من النخب الأوليغارشية الاقتصادية والسياسية، في الحزب الجمهوري، وبعضها في الحزب الديمقراطي، وقفت ضده. وهذا يعني أن تلك القوى المهيمنة اقتصاديًّا (والسياسية) لا تتحكم، كليًّا، بأصوات الناخبات والناخبين، وأنه يمكن أن تسير رياح العملية الديمقراطية بعكس ما تشتهيه سفن أو يخوت القوى المذكورة.
فوز ممداني ليس مجرد فوزٍ للحزب الديمقراطي على الحزب الجمهوري، ولا للجيل الشاب على الجيل القديم، بل هو، بالدرجة الأولى والعاشرة، فوزٌ للديمقراطية
فوز ممداني ليس (مجرد) فوز مسلمٍ أو المسلم، بقدر ما هو فوزٌ للتطبيع مع التعددية، ولقبول، بل تقبل، الاختلافات والتنوع. وهو ليس فوز الإسلام أو ممداني الإسلامي، بل فوز السياسة وممداني السياسي، ومن يدعمه ويتبنى أو يؤيد رؤيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهو فوزٌ للسياسة، لأنه فوز الانتساب المدني على النسب الأهلي. فعمومًا وغالبًا، لم يهم الناخبات والناخبين أصله وفصله وعصبته وجماعته التي ينتمي إليها نسبًا، بل كان انتسابه المدني المتمثل في ما تبناه من أفكار وقيمٍ ومواقف سياسيةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ وثقافيةٍ هو العامل الحاسم في اختيارهم له. وبهذا المعنى، فوز ممداني هو فوزٌ للمدنية على الأهلية. وانطلاقًا من ذلك، هو فوزٌ للفردية على الجماعاتية. فلم تفز الجماعة الأهلية لممداني، ولم تفز الجماعة الدينية أو الإثنية أو العرقية الأكبر في نيويورك، بل فاز ممداني الفرد، على الرغم من كل تعقيدات الانتماءات الجماعاتية، وبغض النظر عنها، أيضًا. والحديث عن الفردية، هنا، لا ينفي حضور وتأثير القوى المؤسساتية والجمعية، على الإطلاق. وقد تكفي الإشارة إلى أن فريق المتطوعين في حملة ممداني الانتخابية ضم حوالي 90.000 شخصٍ بذلوا جهودًا جبارةً في إقناع الناس بأفضلية انتخاب ممداني. التأكيد على الفردية يعني أن هؤلاء المتطوعين شكلوا جماعةً مدنيةً على أساس انتماءاتٍ مدنيةٍ إراديةٍ، بالدرجة الأولى، وليس على أساس روابط جماعاتيةٍ نَسَبيةٍ من أي نوعٍ.
هنا، تحديدًا، قد تكون العبرة أو العبرات الأهم التي نحتاج إلى تأملها وتبنيها نظريًّا، وتطبيقها وترسيخها عمليًّا، في السياقات العربية والإسلامية: ينبغي التمييز بين الأغلبية أو الأقلية الأهلية والأغلبية أو الأقلية المدنية؛ والسياسة مجالٌ للمدنية، وليس للجماعات الأهلية. هي مجالٌ للفردية والحرية، أو لاختيارات الأفراد الأحرار، وليس لتوجهاتٍ جماعاتيةٍ قائمةٍ، أساسًا، على نسبٍ وراثيٍّ لاإراديٍّ. ولا يعني ذلك رفض حضور تلك الاتجاهات الجماعاتية الأهلية في المجال السياسي، وإنما يعني أن تلك الاتجاهات ينبغي أن تحضر بصفةٍ مدنيةٍ، أي أن يكون باب الدخول إليها، والخروج منها، مفتوحًا لكل الراغبات والراغبين، فلا يتم إغلاقه، وسجن الناس في أنسابهم اللاإرادية، والعمل على تمثيلهم السياسي، رغمًا وغصبًا عنهم، بل يقتصر تمثيلها السياسي لمن يختارها من الناس في انتخاباتٍ حرةٍ. ولا تنفي المدنية المفترضة للسياسة، وللممارسة الديمقراطية، إمكانية حضور الدين والمتدينات والمتدينين فيها، لكن تلك المدنية تقتضي الابتعاد عن العصاب العلمانوي الذي لا يستطيع أن يرى في الدين (الإسلامي) إلا خطرًا على الدولة والسياسة والمجتمع والأفراد، بقدر حضوره في المجال العام، لذا يعمل على تنقية ذلك المجال، وكل ما يتصل به، من الدين وحضوره الضار بالضرورة، وإقصائه إقصاءً كاملًا.
ففي مقابل احتفال بعض الناس بفوز ممداني، لأنه مسلمٌ، أبدى آخرون انزعاجهم من فوزه، لكونه مسلمًا، تحديدًا، ليس بالمعنى الإثني أو الهوياتي فحسب، بل بالمعنى الإيماني والاعتقادي أيضًا. وبالتضاد مع هذا الطرف المتطرف الأخير، ينبغي إبراز التوجهات، الفلسفية والسياسية، بعد العلمانية وبعد الدينية، التي تبيِّن أن الدين يمكن أن يكون مصدرًا من مصادر المبادئ الأخلاقية المؤثرة (إيجابًا) في العملية السياسية، وأنَّ الديمقراطية تقتضي عدم حرمان المواطنين من هذا المصدر، وأنها تغتني به، أيضًا، بقدر ما يقر، هو نفسه، من وجهة نظرهم، بأحقية ومشروعية وجود مصادر ومبادئ (أخلاقية) أخرى، وبالمساواة الأولية والمبدئية، بين هذه المصادر المختلفة، في المجال (السياسي) العام.
العبرة الأساسية هي ضرورة الاعتراف بفردية كل فردٍ، وبأنه (ينبغي أن تكون) له قيمة وحقوق وحريات أساسية، بوصفه إنسانًا ومواطنًا، بغض النظر عن أي انتماءٍ أهليٍّ أو جماعاتيٍّ. هذا أكثر ما نفتقر ونحتاج إليه، في عالمنا العربي عمومًا، دولًا ومجتمعاتٍ، وفي المجال السياسي خصوصًا. ويصعب أو يستحيل وجود حدٍّ أدنى إيجابيٍّ من الديمقراطية من دون ذلك الاعتراف النظري والعملي، المؤسساتي والقانوني والفعلي، ومن دون أن يكون التنافس السياسي تنافس مجموعاتٍ مدنيةٍ وليس تنافس/ تطاحن جماعاتٍ أهليةٍ.
فوز شخصٍ من أقليةٍ دينيةٍ مسلمةٍ في انتخاباتٍ ديمقراطيةٍ أمرٌ مبهجٌ، لكن الأكثر أهميةً وإبهاجًا هو وجود إمكانيةٍ فعليةٍ وواقعيةٍ لفوز شخصٍ غير مسلمٍ، أو حتى غير مؤمنٍ، في كيانٍ سياسيٍّ ذي أغلبيةٍ مسلمةٍ. وإلى أن تُوجد هذه الإمكانية، ستبقى الديمقراطية، في عالمنا العربي، هدفًا أكثر من كونها واقعًا، على الأرجح.