في الأساس الأخلاقي لرفض الإمبريالية

09 مارس 2026   |  آخر تحديث: 00:20 (توقيت القدس)
+ الخط -

لماذا تُثير الإمبريالية هذا القدر من الرفض في الضمير الإنساني؟ ولماذا يتحوّل مفهوم الهيمنة إلى كلمة مُثقلة بالغضب كلّما ذُكرت في سياق العلاقات بين الشعوب؟ ثم ما الذي يجعل السيطرة، حتى حين تتخفّى خلف شعارات التقدّم أو الحماية أو نشر القيم، تُقابل دائماً بريبة أخلاقية عميقة؟

إنّ كراهية الإمبريالية لا تنبع من حساسية سياسية ظرفية، وإنّما من إدراك فلسفي يتصل بفكرة الإنسان ذاته، وبحقّه في تقرير مصيره، وبحاجته إلى الاعتراف المُتبادل داخل العالم.

إنّ الإمبريالية في جوهرها علاقة قوّة غير مُتكافئة، تنقل مركز القرار من جماعة إلى أخرى، وتجعل مصير شعب رهين إرادة خارجية. هذا التحويل يمسّ الكرامة في عمقها، لأنّ الكرامة ترتبط بقدرة الإنسان على الفعل الحرّ داخل مجاله التاريخي. وحينما تُنتزع هذه القدرة، يتحوّل الوجود الجماعي إلى حالة تبعية، ويغدو التاريخ المحلي مُلحقاً بتاريخ آخر. ولهذا ترتبط مقاومة الإمبريالية بفكرة السيادة، أي بحقّ الجماعة في أن تصوغ قوانينها وقيمها وفق تجربتها الخاصة.

من منظور أخلاقي، تُثير الهيمنة اعتراضاً؛ لأنّها تقوم على افتراض ضمني بتفوّق طرف على آخر. هذا الافتراض يخلق تراتبية تُرتّب البشر وفق درجات من القيمة، وتحوّل الاختلاف الثقافي إلى معيار للتصنيف. في هذا السياق يحضر قول إيمانويل كانط في مشروعه للسلام الدائم إنّ الإنسان ينبغي أن يُعامل دائماً كغاية في ذاته لا كوسيلة. وعليه، فالهيمنة تفعل العكس؛ فهي توظّف الشعوب وسيلة لتحقيق مصالح اقتصادية أو استراتيجية، وتختزلها إلى أدوات داخل حسابات القوّة. ومن هنا ينبع الشعور بالظلم، لأنّ الوسيلة تُستهلك، أمّا الغاية فتبقى مُحتفظة بكرامتها.

حين يتبنّى المقهور خطاب القاهر، تتضاعف المأساة، لأنّ السيطرة تصبح داخلية

كما أنّ تاريخ الإمبراطوريات يكشف أنّ السيطرة لا تقتصر على الأرض، بل تمتدّ إلى الوعي الجمعي كاللغة، والتعليم، والمناهج، وسردية التاريخ...، جميعها تتحوّل إلى أدوات لإعادة تشكيل صورة الذات لدى الشعوب الخاضعة. وهذا ما يجعل الهيمنة أعمق من احتلال عسكري؛ إنّها عملية طويلة لإعادة تعريف المعنى. وقد وصف أنطونيو غرامشي هذه الظاهرة بمفهوم "الهيمنة الثقافية"، حيث تفرض القوة المُسيطرة رؤيتها للعالم حتى تبدو طبيعية في أعين الخاضعين لها. وحين يتبنّى المقهور خطاب القاهر، تتضاعف المأساة، لأنّ السيطرة تصبح داخلية.

لكن الكراهية للإمبريالية والهيمنة الاستعمارية ليست انفعالاً أعمى، وإنما دفاع عن التعدّد الإنساني، لأنّ العالم يتكوّن من ثقافات وتجارب ورؤى مُتباينة، وكلّ محاولة لفرض نموذج واحد تُفضي إلى إفقار هذا التنوّع. ويرى جون ستيوارت ميل أنّ التعدّد شرط لتقدّم الفكر، لأنّ احتكاك الآراء يوسّع أفق الحقيقة. لكن الإمبريالية تُضيّق هذا الأفق حين تفرض نمطاً سياسياً أو اقتصادياً باعتباره المعيار الأوحد. ومن ثم يصبح رفضها دفاعاً عن حقّ العالم في أن يكون متعدّد الأصوات.

ثمّة بعد وجودي أيضاً في رفض الهيمنة، إذ إنّ الإنسان يبحث عن معنى ينبت من أرضه ومن ذاكرته، وعندما تُفرض عليه سردية خارجية، يشعر بالاقتلاع، والاقتلاع يولّد شعوراً بالغربة داخل الوطن ذاته. لهذا ارتبطت حركات التحرّر دائماً باستعادة الرموز واللغة والتاريخ. إنّها محاولة لاسترجاع الإحساس بأنّ الحياة المشتركة نابعة من الداخل، لا مفروضة من الخارج. هذا البعد الوجودي يجعل مقاومة الإمبريالية مرتبطة بالشعور بالهُويّة، وبالحاجة إلى اعتراف مُتكافئ داخل المجتمع الدولي.

الكراهية للإمبريالية والهيمنة الاستعمارية ليست انفعالاً أعمى، وإنما دفاع عن التعدّد الإنساني

هناك أيضاً البعد الاقتصادي الذي يعمّق الرفض، فحينما تُوجَّه موارد بلد ما لخدمة اقتصاد خارجي، ويُعاد تشكيل بنيته الإنتاجية وفق حاجات السوق العالمي، تتكوّن علاقة تبعية دائمة. وقد أشار كارل ماركس إلى أنّ رأس المال يسعى إلى التوسّع المستمر، وأنّه يُعيد تنظيم العالم وفق منطق الربح. وعليه، فالإمبريالية تمثّل امتداداً لهذا المنطق على نطاق دولي؛ إذ تُحوّل الشعوب إلى أسواق ومواد خام، وتربط مصائرها بتقلّبات لا تتحكّم فيها. وبهذا فالكراهية والمقاومة للنهج الامبريالي يتغذّى من الإحساس بأنّ الجهد المحلي يُستنزف من دون أن يعود بالنفع المُتكافئ على أصحابه.

علاوة على ذلك، فالهيمنة تخلق أيضًا خوفاً دائماً من فقدان الحرية. لأنّ السيطرة لا تُمارس مرّة واحدة، وإنما تُجدَّد عبر آليات سياسية واقتصادية وثقافية. هذا التكرار يجعل الشعوب في حالة يقظة دفاعية، ويغذي الشك في النيّات المُعلنة للقوى الكبرى. حتى المبادرات التي تُقدَّم في إطار التعاون قد تُستقبل بحذر، لأنّ التاريخ علّم المجتمعات أنّ الخطاب الأخلاقي قد يخفي وراءه مصالح صلبة.

مع ذلك، فإنّ رفض الإمبريالية لا يعني رفض التفاعل بين الشعوب، لأنّ النظام الدولي قائم على التعاون والاعتراف المتبادل، لا على الغلبة، هذا ما أكّده هابرماس حينما تحدّث عن الفعل التواصلي الذي يقوم على الحوار العقلاني بين أطراف متكافئة. هذا النموذج يختلف جذرياً عن منطق الهيمنة؛ فهو يقوم على الإقناع لا على الإكراه، وعلى الشراكة لا على الإخضاع. وهكذا، فكراهية الإمبريالية تنبع من الرغبة في هذا الأفق البديل، أفق تُدار فيه العلاقات الدولية وفق قواعد العدالة والانصاف لا وفق موازين القوّة وحدها.

في الأخير، يمكن القول إنّنا نكره الإمبريالية لأنها تمسّ جوهر الفكرة الإنسانية عن الحرية والكرامة، ونرفضها لأنها تختزل التنوّع إلى تبعية، وتحوّل الاختلاف إلى ذريعة للسيطرة، وتجعل التاريخ المُشترك سلسلة من الأوامر والامتثال. هذا الرفض يعكس توقاً عميقاً إلى عالم تُحترم فيه إرادة الشعوب، وتُصان فيه كرامة الإنسان، ويُعترف فيه بأنّ القوّة الحقيقية لا تُقاس بمدى السيطرة، وإنما بمدى القدرة على بناء علاقات عادلة ومستدامة بين الأمم.