في اللامركزية والوطنية السورية
إلى جانب المُطالبات بالانفصال أو تأسيس كيانات مُقتطّعة من جغرافيا الدولة السورية ومستقلة عنها، وبالتداخل معها، ثمّة دعوات إلى أن يكون النظام السياسي في سورية نظاماً فيدراليّاً أو لا مركزيّاً أو اتحاديّاً ...إلخ. وبغضّ النظر عن الاختلاف بين هذه المفاهيم، فإنّ روح هذه المطالبات تذهب في اتجاه تقليص صلاحيات المركز ومنح السلطات المحلية صلاحيات أوسع.
يمكن تكثيف إيجابيات اللامركزية في النظام السياسي، من المنظور الديمقراطي، بالمعادلة التالية: من حيث المبدأ، وفي حال تساوت كلّ العوامل الأخرى، تتناسب ديمقراطية أي نظامٍ سياسيٍّ طردًا مع مستوى لامركزيته، وعكسًا مع مركزيته، أي يكون أكثر ديمقراطيةً، بقدر ما يكون أكثر لا-مركزية أو أقلّ مركزيةً. ويمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك، أو إلى الحدّ الأقصى من هذا الاتجاه، والقول إنّ "الديمقراطية النقية"، أي الديمقراطية المباشرة، بوصفها حكم الشعب لنفسه بنفسه، ليست مُمكنةً إلا في نظامٍ لا مركزيٍّ، كالسياق اليوناني، مثلًا؛ أي في دولٍ/ مدنٍ/ وحدات سياسيةٍ صغيرةٍ ومحدودة عدد السكان. فالديمقراطية المُباشرة تتطلّب تصويت المواطنين على القرارات التي تخصّ حياتهم السياسية والعامة، وهذا غير ممكنٍ، عمومًا، عندما تكون مساحة الدولة كبيرةً جدًّا، أو يكون عدد السكان كبيرًا. ولهذا السبب، شدّد عددٌ من الفلاسفة الحريصين على مشاركة المواطنين في الحياة (السياسية) العامة واتخاذ القرارات، ومنهم أفلاطون وأرسطو (على الرغم من أنهما كانا لا يفضّلان النظام الديمقراطي)، على ضرورة ألا يتجاوز عدد سكان المدينة/ الدولة بضعة آلاف. فعلى سبيل المثال، كان الرقم عند أفلاطون حوالي خمسة آلاف مواطنٍ (5040 تحديدًا!).
وبوصفها من الركائز الأساسية للديمقراطية الحديثة، تسهم اللامركزية في توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتعميقها، عبر تمكين المواطنين من الانخراط المباشر في صنع القرار المحلي، بما يعزّز مبدأ السيادة الشعبية، ويجعل الحكم أقرب إلى الناس واحتياجاتهم اليومية. فهي تتيح توزيع السلطة والمسؤوليات على مستوياتٍ متعدّدةٍ من الإدارة، ما يحدّ من نزعة التمركز والتسلّط، ويعزّز قيم المُساءلة والشفافية، نتيجة قرب المسؤولين المحليين من المواطنين. وفي البلاد التي تتضمّن تعدّديةً إثنيةً ودينيةً وطائفيةً، واختلافاتٍ ثقافيةً واقتصاديةً تنمويةً، بين مناطقها المختلفة، تسهم اللامركزية في تمكين الفئات والأطراف المهمّشة من المشاركة الفاعلة في الشأن العام، وتسمح بتكييف السياسات مع الخصوصيات الاقتصادية والثقافية لكلّ منطقةٍ، واتخاذ القرارات الأكثر ملاءمةً وفاعليةً، والأكثر تعبيرًا عن منظور السكان المحليين وتوجّهاتهم، بما يساعد على توزيعٍ أكثر إنصافًا للسلطة والموارد، ويساهم في تخفيف التوتّرات الاجتماعية والسياسية الناجمة عن الإقصاء أو التهميش المناطقي أو الجهوي أو الإثني أو الديني أو الطائفي ...إلخ.
تتناسب ديمقراطية أي نظامٍ سياسيٍّ طردًا مع مستوى لامركزيته، وعكسًا مع مركزيته
كلّ ما سبق، وغيره، لا يعني أن تبنّي اللامركزية أمر إيجابيّ، دائمًا وبالمطلق. فثمّة سلبياتٌ مُحتملةٌ ومخاطر مُمكنة ومسائل ينبغي أخذها في الحسبان وفقًا للسياقات المختلفة. وفي السياق السوري الراهن، حيث تصدر المطالبات باللامركزية، في إطار:
(1): تصاعد وتصعيد في التوجّهات الأهلية على حساب التوجّهات المدنية.
(2): والتوتّرات ضمن المركز (السني العربي) وضمن الأطراف (الدرزية والكردية والعلوية ... إلخ)، وبين هذا المركز وتلك الأطراف، وسعي (أحد) تلك الأطراف إلى الخلاص من الطرف المُهيمن.
(3): غياب أو تغييب المنظور الوطني أو السوري الشامل في التنظير لتلك المُطالبات، وللممارسات التي تحاول تنفيذ مضامينها أو عرقلة ذلك التنفيذ.
فثمّة اتجاهٌ سوريٌّ وغير سوريٍّ مُتصاعدٍ يميل إلى رؤية الخلافات أو الصراعات السياسية، أو التنظير لها، أو ممارستها، بوصفها صراعاتٍ أهليةً أو بين أطرافٍ أهليةٍ، وليس بوصفها صراعاتٍ سياسيةً بين أطرافٍ مدنيةٍ. وعلامات ذلك كثيرةٌ، فإضافةً إلى منع الأحزاب السياسية، بوصفها الأطراف المدنية والأساسية في العملية السياسية، ثمّة إصرارٌ على أن تكون سلطة دمشق مُمثّلةً للأكثرية السنية، وقوات سوريا الديمقراطية ممثلةً للكرد، والشيخ حكمت الهجري للدروز ...إلخ. وتظهر التوتّرات والصراعات السياسية، حاليًّا، بوصفها صراعات بين الأطراف الأهلية المذكورة. وتجري المطالبات باللامركزية، ومعارضتها، في إطار الحديث عن لامركزيةٍ تسمح بالحدّ من هيمنة المركز السني على أحد الأطراف الأهلية. وهنا، يكون الهدف من اللامركزية سلبيًّا، فهو لا يتمثّل في وجود رؤيةٍ واضحةٍ لتحقيق مصالح الناس المعنيين، وإنما يتمثّل في التخلُّص من ذلك المركز، وإبعاده، قدر المستطاع. فالمشكلة الأساسية، في هذه المطالبات، أنّها تصدر، غالبًا، عن أطرافٍ يفكّر كلٌّ منها في خلاص جماعته، أو جزءٍ من جماعته، فقط، أما خلاص الأغلبية الأخرى (من السوريات والسوريين) فليس موضع اهتمامه أو انهمامه، بل قد تهدف المطالبة، تحديدًا، إلى الخلاص أو التخلّص منهم. وهذا سببٌ كافٍ للتعامل معها، بوصفها مطلبًا فئويًّا يخصّ طائفةً صغيرةً، وليس مطلبًا وطنيًّا يهدف إلى الصالح العام لسورية ومواطنيها، بسبب غياب أو تغييب المنظار الوطني، وعدم السعي إلى تحقيق مصلحة عامة سورية، وعدم الاكتراث بتلك المصلحة أصلًا.
الإطار الوطني الديمقراطي للامركزية أمرٌ غايةٌ في الأهمية، أما المركزية المعادية لذلك الإطار، تحديدًا، فهي تشبه أو تتشبّه بالمركزية التي تزعم أنها تعاديها
وفي مثل هذه السياقات، تتماهى اللامركزية مع النزعات والنزاعات الأهلية، ولا تفضي المطالبة بها، والسعي إلى تحقيقها، ولا تحقيقها نفسه، على الأرجح، إلى تحقيق أيٍّ من الإيجابيات المذكورة للامركزية: فبدلًا من تعزّز المشاركة الشعبية والتعدّدية ومشاركة المجتمع المدني وترسيخ الديمقراطية، تصبح أساسًا لانعزاليةٍ فئويةٍ، وأحاديةٍ عدائيةٍ، ترفض مشروعية الاختلاف، ليس مع من هم خارجها فحسب، بل في داخلها وضمنها، أيضًا. ويتم تغييب المجتمع المدني، لصالح الجماعة الأهلية، مع التضاد العملي والنظري مع الممارسة الديمقراطية، داخل اللامركزية المنشودة، إضافةً إلى التأثير السلبي في أيّ نضالٍ لتحقيق الديمقراطية في النظام السياسي المركزي العام.
وفي مثل هذه السياقات، يصبح شعار "اللامركزية هي الحل" عاملًا من عوامل تزييف الوعي، مثله في ذلك، مثل شقيقيه "الإسلام هو الحل"، و"العلمانية هي الحل". فلا تكون اللامركزية جزءًا من الحل إلا عندما تكون في إطار رؤيةٍ وطنيةٍ تسعى لخلاص الجميع، وليس لخلاص فئةٍ، أو للخلاص من الفئات الأخرى. وقبل مناقشة القضية الوطنية من منظورٍ فئويٍّ خاصٍّ بمطالب جماعةٍ أو جماعاتٍ عضويةٍ معينةٍ، وفي إطار تلك المناقشة، ينبغي تناول ذلك المنظور الفئوي، والمطالب الفئوية، من منظورٍ وطنيٍّ جامعٍ. ومن دون ذلك المنظور، لا تكون اللامركزية بتجلّياتها المختلفة إلا حصان أو أحصنة طروادة التي تضعف الدولة، وقد تفتّتها أو تمزّقها أو تشلّ حركتها، وتجعلها دولةً فاشلةً أو دولةً مع إيقاف التنفيذ. فالإطار الوطني الديمقراطي للامركزية أمرٌ غايةٌ في الأهمية، أما المركزية المُعادية لذلك الإطار، تحديدًا، فهي تشبه أو تتشبّه بالمركزية التي تزعم أنها تعاديها، ولا تقل عنها سوءًا، عمومًا.