لا يمكنك إنقاذ الجميع
في قطاع غزة حيث يستمر أكثر من مليوني إنسان في مواجهةِ حصارٍ مُميت وإبادة جماعية مُمنهجة، ويرتقي عشرات الشهداء يوميًا تحت غطاء صمت المجتمع الدولي وتواطئه الأخلاقي، يقف الإنسان العادي مشلولًا أمام مشهد لا يحتمله الضمير. هناك، لا تكمن المأساة في الصور وحدها، بل في العجز الصارخ عن الفعل، في ثقل السؤال: ماذا يمكنني أن أفعل لإيقاف هذه الإبادة؟ في هذا السياق، تعود إلى الواجهة عبارة تتردّد أحيانًا في دوائر العمل الإنساني "لا يمكنك إنقاذ الجميع". عبارة قد يبدو وقعها للوهلة الأولى حكيمًا وواقعيًا، أو تبريرًا عقلانيًا لمحدودية الجهد الإنساني وقدرته في مواجهة عالم مثقل بالأزمات والمُعاناة.
لكنها، في عمقها وجوهرها، تحمل تناقضًا وجوديًا وأخلاقيًا لا يواجه فقط العاملين في ميادين الإغاثة والتنمية، بل يشملنا جميعًا بشرًا نعي حجم الظلم ولا نملك الأدوات لتغييره، ومع ذلك لا يُعفينا هذا الوعي بالعجز من مسؤولية نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، ومساعدة المُحتاج ضمن نطاق استطاعتنا، وأحيانًا، ضمن نطاق ما نظنّ أننا لا نستطيع.
أربكتني هذه العبارة عندما واجهتها لأوّل مرّة خلال عملي في مجال التنمية والمساعدات الدولية، حين قيلت لنكون أكثر براغماتية وواقعية، كان من السهل استخدام العبارة باعتبارها وسيلة لتبرير القصور، أو حتى درعًا نفسيًا يحمي العاملين في المجال وإداراتهم أو حتى الناس العاديين من الشعور بانكسار القدرة على التأثير وسط واقع يفوق طاقتنا. ما دفعني إلى التساؤل حينها: هل ينتهي واجبنا الأخلاقي عند حدود قدرتنا العملية؟ أم أنّ الواجب يتجاوز المُمكن، ليصبح أفقًا أخلاقيًا يدفعنا دائمًا نحو توسيع ما هو ممكن؟
للإجابة عن مثل هذه التساؤلات علينا أولًا أفرادًا أن ندرك أنّ عدم قدرتنا على إنقاذ الجميع لا يعني أن نُخضع بوصلتنا الأخلاقية لمعادلات الجدوى أو موازين القوّة. فالمسؤولية الأخلاقية ليست التزامًا بنتيجة، بل التزام بالفعل ذاته، بمحاولة الانتصار للضعيف بأيّ فعل يسهم في تحقيق العدل، ولو في أضيق حدوده. فجوهر الإنسان لم يُقس يومًا بقدرته على تغيير العالم بأسره، بل بإرادته في ألا يعتاد الألم أو يتصالح مع الظلم، حتى حين يبدو الصمت أسهل، والتخلي أكثر عقلانية، والسير مع التيار أكثر ربحية، فالمأساة ليست في عجزنا عن إنقاذ الجميع، بل في قبولنا لهذا العجز حقيقةً نهائيةً تبرّر اللامبالاة وتحرّرنا من شعور الذنب بسبب التقصير.
جوهر الإنسان لم يُقس يومًا بقدرته على تغيير العالم بأسره، بل بإرادته في ألا يعتاد الألم أو يتصالح مع الظلم
هذا الشعور بالذنب الذي يحاول البعض التخلّص منه، إذا أُخذ بجدية فإنه لن يبقى مجرّد عبء داخلي، بل سيتحوّل إلى أداة وعي أخلاقي تُرغمنا على طرح أسئلة أعمق: ما الذي يجب أن نحمله؟ وما الذي يحقّ لنا أن نضعه جانبًا؟ كيف نوازن بين الأمل في إنقاذ الجميع، والوعي بأننا، رغم حسن النية وصدقها، لن نتمكّن من الوصول لهم جميعًا؟
في هذا السياق تحمل عبارة "لا يمكنك إنقاذ الجميع" في طيّاتها إمكانيّة ولادة شكلين متناقضين من الشعور بالذنب، يحدّدان مصير استجابتنا الأخلاقية تجاه الألم الإنساني. فثمّة ذنبٌ بنّاء ينشأ حين لا يُغلق الإنسان قلبه أمام ما لا يستطيع تغييره، بل يُبقي وعيه حيًّا وفعله مُمكنًا، فيستمر بالمحاولة، لا لأنه يملك الحل، بل لأنه يرفض أن يجعل من العجز تبريرًا أخلاقيًا للسكوت أو الانسحاب. هذا النوع من الذنب لا يطلب الكمال، بل الإخلاص في السعي والصدق في المواجهة. وفي المقابل، يظهر الذنب الهدّام حين ينقلب العجز إلى قيد داخلي يغرق صاحبه في الإنكار أو التبلّد أو التبرير، فيتحوّل الذنب من دافع للفعل إلى ذريعة للجمود. هنا تتوارى المسؤولية خلف مقولات الواقعية الأنانية القاسية، ويتحوّل الإحساس بالعجز إلى مبرّر للاستسلام. وهكذا، فإنّ جوهر التحدي لا يكمن في قدرتنا على إنقاذ الجميع، بل في رفضنا أن نجعل من هذه الحقيقة ذريعة لخفض سقف إنسانيّتنا.
أمام هذا الواقع المُربك، لا يكمن المخرج في الارتماء في أحضان البلادة الأخلاقية، ولا في الرضوخ لقيود المُمكن بوصفها نهاية للتكليف الأخلاقي، بل في ممارسة المقاومة الأخلاقية البسيطة وهي بالتأكيد ليست ثورة كبرى، بل أيّ فعل يومي بسيط وعنيد، يتجلّى في الإصرار على نجدة من يمكن نجدتهم، من دون أن نخون الحلم الأكبر بألا يُترك إنسانٌ خلف الركب، لا بفعل العجز، بل بمجرّد الاستسلام له.
صحيح، قد لا نتمكن من إنقاذ الجميع، لكن بوسعنا أن نرفض أن يتحوّل العجز إلى ذريعة أخلاقية. ففي كلّ فعلٍ صغير ننجح به، في كلّ حياة نلامسها أو نرفع عنها بعض الألم، نمارس شكلًا من أشكال المقاومة ضدّ عالم يميل إلى التبلّد، وحتى اليوم الذي نستعيد في إنسانيتنا كاملةً، لعلنا نستمد من عنوان ومحتوى ذلك الكتاب الجميل "في بعض الأيام لا يمكنك إنقاذهم جميعًا" الإلهام لنكون أكثر رحمة وتعاطفًا، رغم إدراكنا المؤلم أننا قد لا نستطيع إنقاذ الجميع.