لماذا لا يتغيّر شيء في العراق؟
في مساءٍ بارد من أمسيات معرض العراق الدولي للكتاب، كنت أقدّم روايتي "منتصف الليل في بغداد". وعلى مقربة من جناحي، لاحت فعالية لعرض فيلم سينمائي من إنتاج دائرة السينما والمسرح. ولأنّ ولعي بالسينما قديمٌ، وجدتني أُصغي للدعوة الصامتة التي تطلقها الشاشة، تلك القدرة الغامضة التي تمتلكها الصورة على توسيع مدارك الإنسان، أو على الأقل هزّ يقينه.
جلستُ في القاعة مترقباً عملاً يُشبه اللحظة التاريخية المتوترة التي نعيشها، عملاً يُجبر المتلقي على إعادة النظر في المسلمات، وعلى مساءلة البديهيات التي تحكم حياتنا. لكن منذ اللقطة الأولى، أدركت أنّني لست أمام خطاب فني جديد، بل أمام تدويرٍ لثيمة قديمة: قضية "الشرف"، اتهامٌ سريع، عنفٌ منزليّ متوارث، عقاب جماعيّ بلا تروٍّ، ثم النهاية المتوقعة التي تُعيد براءة الفتاة بعد أن يكون تاريخها الشخصي قد تلقّى ما يكفي من الكسور. وليس في تناول هذه الثيمات ما يُعاب من حيث المبدأ؛ فهي جزء من واقعنا، وتستحق أن تُفكَّك وتُمثَّل سردياً. لكن السؤال الذي يلحّ في الذهن هو: لماذا نظلّ نناقش هذه المسائل وحدها، وكأن الوعي الثقافي لا يرى غيرها؟ لماذا تُختزل كل طاقة السؤال في زاوية واحدة، بينما يقف عالم كامل من الموضوعات المؤجَّلة خارج دائرة الضوء؟
عند خروجي من القاعة، تردّد في داخلي سؤالٌ ملحٌّ يشبه الهمس الثقيل:
لماذا لا يتغيّر شيء في العراق؟ ولماذا تبدو الثقافة العراقية وكأنها أسيرةٌ لمواضيع محدودة لا تريد مغادرتها؟ لقد خُيّل إليّ ونحن في معرض الكتاب، أن الحياة الثقافية العراقية تشبه مدينة قديمة لا تزال تدور في الأزقة نفسها رغم اتّساع العالم من حولها. كأنّ الوعي الجمعي يتنفّس من نافذة واحدة ويخشى فتح بقية النوافذ. ما زالت الموضوعات التي تتصدر الأعمال الفنية والحوارات التلفزيونية والندوات الفكرية وحتّى تصريحات السياسيين، تدور حول مجموعةٍ من الثيمات المتكرّرة التي استُهلكت حدّ التلاشي، وكأنّ المجتمع يحرس دائرة ضيقة من الأفكار، لا يسمح لها أن تتسع ولا أن تُختبر.
والأغرب أنّ كل محاولة للخروج من هذه الدائرة تُقابَل إمّا بالصمت أو بالريبة. فعندما ندعو إلى إعادة قراءة التاريخ بوصفه نصاً متعدّد الأصوات، لا وثيقة جامدة، ترتفع الحواجب استغراباً. وعندما نتناول ظاهرة العنف الديني بنظرة تفكيكية، لا بنظرة اتّهامية أو دفاعية، يختلط الفهم بالاتهام. وعندما نطالب بأن تدخل الفلسفة إلى المدارس والجامعات لا بوصفها ترفاً، بل بوصفها شرطاً لتكوين عقل نقدي، يأتينا الجواب بأن "الواقع لا يحتمل الفلسفة"، وكأنّ التفكير رفاهية لا حاجة لها. بل إنّ المفكرين العرب والمسلمين الذين رحلت أعمالهم إلى جامعات العالم الكبرى، والذين تُدرّس نصوصهم في أقاصي الأرض، لا يزال حضورهم داخل سياقهم الأصلي باهتاً، كأنّ تأثيرهم موجّه للآخر لا لنا، وكأنّ جذورهم الفكرية لم تعثر بعد على التربة التي تستحقها.
كأن الوعي الجمعي يتنفّس من نافذة واحدة ويخشى فتح بقية النوافذ، والمجتمع يحرس دائرة ضيقة من الأفكار لا يسمح لها أن تتسع ولا أن تُختبر
هنا يبدو السؤال أشد إلحاحاً:
هل مشكلتنا في العراق هي نقص الأفكار؟ أم أن المشكلة أعمق، تتعلق ببنية التفكير نفسها؟
يبدو أننا ما زلنا نتعامل مع الواقع بوصفه "قدراً نهائياً"، لا بوصفه معطى قابلاً لإعادة التفكيك والفهم. ما زلنا نميل إلى تقديس الموروث أكثر من مساءلته، وإلى استدعاء الأمس لحلّ مشكلات اليوم، وإلى التعامل مع الثقافة بوصفها إعادة إنتاجٍ لمخزون قديم، لا بوصفها فعلاً خلاقاً يعيد تعريف مفهوم العيش. إن ما نحتاجه حقاً ليس التغيير الشكلي، بل تحوّل في البوصلة الذهنية. نحتاج إلى فنٍّ يتقدّم خطوة خارج الصف، إلى جامعةٍ تُعيد الاعتبار للعلوم الإنسانية، إلى مؤسسة ثقافية تؤمن بأن التفكير ليس فعلاً عدائياً، وإلى مجتمع يرى في السؤال بداية الطريق لا نهايته.
ولذلك، كلما خرجت من عمل فني يعيد الحكاية القديمة بمفردات جديدة فقط، أدركت أن الأزمة ليست في الفن ولا في السياسة، بل في ذلك القلق العميق من أن نفتح نافذة جديدة للحقيقة، وفي ذلك الخوف المتوارث من أن نضع المسلّمات على طاولة الفحص.
وهكذا تتشكّل الإجابة، لا بوصفها حكماً نهائياً، بل بوصفها احتمالاً مريراً:
لا يتغيّر شيء في العراق لأنّ منظومة التفكير لم تتغيّر بعد، ولأن الأسئلة التي تُحدث التحولات الكبرى لم تجد من يتبنّاها بجرأة، ولأنّ الثقافة ما زالت تخاف أن تخرج من دوائرها المغلقة.