مصالحة مؤجلة
مع انطلاق دعوات المصالحة بين المعارضة والنظام في مصر، ثمّة من يطرح سؤالًا مُقلقًا: هل يمكن أن يفلت القتلة من العقاب؟ هل يمكن لمجتمع أن يغلق صفحةً من الظلم من دون مواجهة حقيقية لماضيه؟
ولمحاولة الوصول إلى إجابة، لن أطيل عليك، عزيزي القارئ، بالشعر والأدبيات، ولن أكرّر أبيات أمل دنقل الشهيرة "لا تصالح"، بل دعونا نقرأ تجربة دولة الأوروغواي، التي تقدّم درسًا صريحًا في هذا الصدد.
في فجر 27 يونيو/ حزيران 1973، أطاح الجيشُ البرلمانَ وأعلن حكمه العسكري الذي امتدّ اثني عشر عامًا. امتلأت السجون بالمعتقلين، وعاشت آلاف الأرواح بين جدران ضيّقة وظلام دامس، حيث كان كلّ يوم اختبارًا للصبر والأمل. ووقفت الأمهات والنساء على أبواب المعتقلات، يُلوّحن بصمت لأحبائهن، بينما يعود بعضهم محطّم الجسد والروح، ويبقى البعض الآخر في طي الغياب، حاملًا أثر القهر وذكريات الانتظار.
ومع استمرار القمع، بدأت مؤشّرات الانهيار الاقتصادي والسياسي تظهر بوضوح. انهيار الصادرات، وتدهور العملة، وارتفاع البطالة.. ممّا جعل استمرار الحكم العسكري مُكلفًا بشكل مُتزايد. ومع كلّ أزمة، ارتفعت الأصوات المقهورة من جديد: طلاب ونقابات ومعارضون رفعوا شعارات الحرية والعدالة، مذكّرين الجميع بأنّ الحاضر لا يُبنى على إرث القمع.
الإفلات الكامل من العقاب مستحيل، والاعتراف بالجرائم، حتى بعد سنوات طويلة، يفتح أبوابًا للعدالة ولو متأخرًا
وفي هذا السياق، جاء اتفاق "النادي البحري" في أغسطس/ آب 1984 خطوةً أولى نحو الانتقال من الحكم العسكري إلى حكومة مدنية. رغم أنّ بعض الحركات المسلّحة، مثل حركة توباماروس، لم تشارك في الاتفاقية، كان الإفراج عن المعتقلين السياسيين حجر الأساس لأيّ مصالحة حقيقية، وأتاح للذين قاوموا بالقلم أو بالسلاح العودة إلى الحياة المدنية والمشاركة السياسية.
بحلول مارس/ آذار 1985، انتهى الحكم العسكري رسميًّا وفتحت البلاد صفحة جديدة. لكن العدالة لم تتحقّق بشكل كامل فورًا. قوانين الحصانة الصادرة عام 1986 منعت محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات، ممّا جعل البعض يعتقد أنّ الجناة قد يفلتون من العقاب إلى الأبد. ومع ذلك، وبعد عقود، وبتعديل قوانين الحصانة وإدراج هذه الجرائم تحت تصنيف "جرائم ضد الإنسانية" عام 2011، بدأت بعض المحاكمات المتأخّرة، لتؤكّد أنّ الإفلات الكامل من العقاب مستحيل، وأنّ الاعتراف بالجرائم، حتى بعد سنوات طويلة، يفتح أبوابًا للعدالة ولو متأخّرًا.
المصالحة الحقيقية لا تعني التغاضي عن الماضي، بل مواجهته
تعلّمنا تجربة الأوروغواي درسًا مُهمًا، يتمثّل بأنّ الحل لا ينبع من نخبة معارضة في الخارج، بل من الداخل، من الناس الذين عاشوا القمع والظلم. الضغط المستمر والمواجهة الحقيقية هما الطريق الوحيد لإعادة الحقوق وفتح صفحة جديدة.
وفي أيّ سياق مُشابه، تظهر المخاطر الواضحة في الدعوات السطحية للمصالحة إذا لم تشمل إطلاق المعتقلين، والاعتراف بالجرائم، وفتح أفق سياسي للجميع، فإنها تتحوّل إلى مجرّد اتفاقيات شكلية، وخضوعًا للسلطة، وليس انتصارًا للعدالة أو للمجتمع. المصالحة الحقيقية لا تعني التغاضي عن الماضي، بل مواجهته، والحقوق لا تُستعاد إلا عبر ضغط شعبي مستمر ومقاومة منظّمة، وليس فقط أوراقًا سياسية رسمية.
الذاكرة تبقى حجر الزاوية لأيّ مجتمع يرغب في التحرّر من عبء الماضي. قد يبدو الظلم قويًّا وقد يطول انتظار العدالة، لكن التاريخ يعلمنا أنّ القمع لا يدوم. الذين انتظروا خلف أبواب السجون قد يخرجون يومًا ليس فقط أحرارًا، بل قادة للحرية، كما فعل خوسيه موخيكا الذي قاد الأوروغواي رئيسًا في مارس/ آذار 2010، حاملاً تجربة معاناة وشجاعة شعب كامل، ليكون دليلًا حيًّا على أنّ العدالة قد تتأخّر، لكنها لا تموت أبدًا.