مضيق الفراشات وجدارية الحزن الكردي
يا وطني! أُسميك حفنة تراب
كي تجد لي مكاناً في كفّ إحدى قصائدي
وأُسمّي نفسي جرعة ماء
كي أجد لي مكاناً
في جفون أحد أحجارك.
(شيركو بيكه س)
لم أدخل بيتاً كردياً من قبل، ولكن في مُخيلتي عن تلك البيوت صورٌ مُستمدّة من الكتب والأخبار العامة والأحاديث المُتفرّقة مع الأصدقاء، صور لا تخلو من النسّاجات والقناويج الكوردية (مشغولات يدوية فنية تعكس التراث الكردي) في كلّ زاوية وعلى كلّ جدار.
شيءٌ ما في تلك النقوش يُشعرني بأنّ لجذور ذاك الفن امتداداً يبدأ من قرص الشمس الأصفر لينتهي في زاوية كلّ بيت، فناً حزيناً صامتاً وقديماً.
ما زلت كلّما قرأت شعراً أو سمعت لحناً قادماً من تلك الأرض، انفجر داخلي شعور عميق بحزن مُبهم ونبيل لا أستطيع تفسيره.
كان لأنظمة الاستبداد موقفاً معادياً؛ إذ جعلت من الوجود الكردي حدثاً عابراً على هامش الجغرافيا والخبر والحياة
أقف بخجل أمام ظاهرة الجهل العام والاغتراب الفكري والثقافي عن بلادنا التي لا نعرفها، بلادنا التي لم تتح لنا الحرب إمكانية أن نعيش تنوّعها، وقبل الحرب كان لأنظمة الاستبداد موقف معادٍ؛ إذ جعلت من الوجود الكردي حدثاً عابراً على هامش الجغرافيا والخبر والحياة.
وحده الفن بكلّ تجلياته تحدّى سياسة الفكر القمعي هناك، وحاول إعادة الثقافة الكوردية بكلّ همومها وجمالياتها وأبعادها إلى المشهد. وحده الفن على مرّ العصور ينجو.
شعرية الهشاشة
وقع بين يدي كتاب "مضيق الفراشات" للشاعر شيركو بيكه س، فوجدت نفسي أمام ملحمة شعرية عن المنفى والاغتراب والتشظي، قرأت القصيدة كمن يعيش الشعر في هجرته عن اليومي والإنساني والزمني والمكاني، ليكتب حكاية الجرح المفتوح على مستحيل الأرض في حلم غابر.
حين كتب بيكه س في منفاه شعراً عن الشتات والانكسار، كان يدرك أنّ الكتابة وحدها تحفر الألم الكردي في جسد العالم. ليؤكّد أنّ الوجود هناك آبد كتجدّد نهر في مجراه. ليغدو الشعر طاقة حياة تُعيد بناء الذاكرة الكردية، وتحفر في جذور الهُويّة المسلوبة، وتخلق مساحة للوجود الثقافي على الرغم من كلّ محاولات إلغائه.
الكتابة وحدها من يحفر الألم الكردي في جسد العالم
لا شك أنّ التضييق الاجتماعي الذي عاشه الكرد لم يكن مجرّد منع للغة أو للطقوس الموروثة، بل كان حصاراً رمزياً شاملاً كما وصفه بيير بورديو وتهميشاً هيكلياً ضمن إطار مؤسساتي مُمنهج في محاولات مُستمرّة لتغييب الهُويّة الوجودية الكردية ككلّ وتذويبها في قالب الثقافة الرسمية السائدة. حيث يرى بيير بورديو أنّ النظام الرمزي يمارس عنفه عبر مؤسساته التي تفرض معاييرها بكونها ثقافة شرعية فتهمّش إرث الشعوب الشريكة في الأرض وتصنّفها في أرشيف الثقافات المنسية.
من داخل هذا الحصار، ومن خلال الشعر والكتابة استطاع شيركو بيكه س تحويل الألم الكردي إلى تجربة فنية عالمية، وجعل من شعرية الهشاشة سلاحًا ضدّ الإقصاء المنهجي.
هكذا يكون الشعر الكردي مرآة الجرح المفتوح على ممكن وطن، ليكتب بيكه س: "الوطن بيتٌ صغير، فانوسٌ جداري، ظله كحزن أمي، وضوؤه مرآة خدودنا".