معوّقات النهضة في فكر مالك بن نبي
يُثير سؤال النهضة في فكر مالك بن نبي توتّرًا عميقًا بين ما يملكه العالم الإسلامي من رصيد ديني وقيمي وتاريخي، وما يعيشه من تعثّر حضاري طويل. لذلك لم يتعامل ابن نبي مع الأزمة باعتبارها حادثة سياسية طارئة، أو نتيجة مؤامرة خارجية وحدها، بل نظر إليها كحالة مركّبة تتداخل فيها عناصر النفس والاجتماع والثقافة والاقتصاد، وتنعكس في ضعف الفعالية الحضارية، وانقطاع القدرة على تحويل الأفكار إلى طاقة بناء. من هذا المنطلق، تشكّلت أطروحته حول "مشكلات الحضارة" في سياق بحثه عن تفسير عميق للانحطاط، وعن تشخيص يسبق وصف الدواء، لأنّ النهضة عنده مشروع تاريخي يحتاج إلى فهم شروطه قبل استعارة شعاراته.
يرى مالك بن نبي أنّ أحد أكبر معوّقات النهضة يتمثّل بما سمّاه "القابلية للاستعمار"، وهو مفهوم يحمّل المجتمع جزءًا من مسؤولية الهزيمة الحضارية، لا من باب جلد الذات، بل من باب إدراك أنّ الاستعمار لا ينجح في بيئة تمتلك مناعة فكرية وتنظيمية. كذلك فإنّ القابلية للاستعمار عنده حالة نفسية واجتماعية تنشأ عندما يفقد المجتمع ثقته بذاته، ويتعوّد الاتكالية، ويعتاد أن يفسّر ضعفه عبر شماعات خارجية، بدل أن يراجع بنيته الداخلية. ويشير ابن نبي إلى أنّ هذه القابلية تتغذّى من تراكم تاريخي للأفكار غير الفاعلة، ومن انكسار الروح النقدية، ومن تحوّل الدين إلى طقوس منفصلة عن العمران. في هذا السياق يصبح الاستعمار نتيجة تُستثمر فيها هشاشة الداخل، لا سببًا وحيدًا يفسّر كلّ شيء.
ومن المعوّقات المركزية في تحليله أيضًا أزمة الأفكار، حيث يميّز بين "الأفكار الميتة" و"الأفكار المميتة". تنتمي الأفكار الميتة إلى إرث اجتماعي فقد شروطه التاريخية، ومع ذلك يستمر حضوره داخل العقل الجمعي كعادة فكرية، فيُعطّل القدرة على الإبداع ويحوّل الماضي إلى سقف يمنع التجاوز. أمّا الأفكار المُميتة فتُمثّل استيرادًا غير نقدي لنماذج وافدة، تُقتطع من سياقاتها الحضارية ثم تُزرع في مجتمع مختلف، فتنتج اغترابًا بدل التحديث، وتخلق تناقضًا بين القيم المُعلنة والواقع المعيش. وبالتالي، تصبح أزمة النهضة عند ابن نبي أزمة "نظام أفكار" قبل أن تكون أزمة موارد أو تقنيات، لأن المجتمع قد يملك أدوات كثيرة، ومع ذلك يعجز عن توظيفها ضمن مشروع بناء حضاري متماسك.
النهضة عند مالك بن نبي مشروع تاريخي يحتاج إلى فهم شروطه قبل استعارة شعاراته
ويتصل بهذا المعوّق ما يسميه ابن نبي بـ"الحضارة الشيئية"، أي تحوّل التحديث إلى تكديس مُنتجات بدل بناء إنسان قادر على إنتاجها. فالمجتمع المتأخّر قد يستورد الأجهزة، ويقتني المظاهر، ويملأ فضاءه بالسلع، لكن ذلك لا يعني تحقّق النهضة، لأنّ النهضة تتأسّس على إنتاج المعنى والتنظيم، لا على استهلاك المُنجزات. ووفق هذه الرؤية، فإنّ الفارق بين مجتمع يصنع الحضارة ومجتمع يستهلكها يكمن في القدرة على تحويل الأفكار إلى مؤسسات، وتحويل القيم إلى سلوك اجتماعي، وتحويل المعرفة إلى قوّة مُنتجة. لذلك تصبح المعضلة في جوهرها معضلة بناء داخلي، لا مجرّد نقص في الاستيراد أو التمويل.
ومن المعوّقات الكابحة للنهضة في فكر ابن نبي أيضًا "الاستبداد السياسي" وما ينتجه من تدمير للفعالية الاجتماعية. حيث إنّ الاستبداد في اعتقاده، لا يُختزل في قمع الحريات السياسية، بل يمتدّ إلى إضعاف المبادرة الفردية، وتعطيل المجال العام، وإفساد العلاقة بين المجتمع والدولة. كذلك فإنّه يُحاصر الناس بالخوف، ما يساهم في تراجع القدرة على التنظيم، ويصبح التفكير في المستقبل رفاهًا، وتتحوّل الطاقات إلى ردود فعل قصيرة. كذلك الاستبداد يدفع بعض النخب إلى التواطؤ، ويجعل الثقافة تابعة للسلطة بدل أن تكون ضميرًا نقديًا لها. في مثل هذا المناخ، تفقد الأمة شروط الفعل التاريخي، لأنّ النهضة تحتاج إلى مجتمع قادر على العمل الجماعي، وعلى الثقة المتبادلة، وعلى بناء المؤسسات خارج منطق الولاء والخضوع.
ويتفرّع عن ذلك معوّق آخر يتمثّل بانقسام المجتمع بين نخبة تتحدث بلغة الإصلاح، وجمهور يعيش خارج شروطه. وفي هذا الصدد، ينتقد ابن نبي الإصلاح الذي يبقى حبيس الكتب والخطب، من دون أن يتحوّل إلى مشروع تربوي واجتماعي واسع. وينتقد تحوّل الخطاب الديني إلى ساحة صراع سياسي، حيث تُستعمل الرموز والقيم في منافسة على السلطة بدل أن تتحوّل إلى طاقة بناء أخلاقي. في هذه الحالة يغدو الدين مادة استقطاب، وتتحوّل الهوية إلى سلاح، ويتراجع المعنى الحضاري للإسلام الذي يُفترض أن يوجّه العمران نحو العدل والعلم والكرامة.
قد يملك المجتمع أدوات كثيرة، ومع ذلك يعجز عن توظيفها ضمن مشروع بناء حضاري متماسك
ويؤكّد ابن نبي كذلك أنّ معوّقات النهضة تتجلى في ضعف "الفعالية"، وهو مفهوم محوري في مشروعه، ويقصد بها قدرة المجتمع على تحويل الإمكانات إلى إنجازات، وتحويل الأفكار إلى خطط، وتحويل الوقت إلى قيمة. لأنّ المجتمع الذي يفتقد الفعالية يعيش خارج "التاريخ"، أي خارج النسق الذي تتحرّك فيه الأمم المُنتجة. وتبرز هذه الأزمة في التعليم حين يتحوّل إلى تلقين من دون وظيفة حضارية، وفي الاقتصاد حين يغيب التخطيط طويل المدى، وفي الثقافة حين تتحوّل إلى استهلاك رمزي لا يصنع تغييرًا. لذلك يرى ابن نبي أنّ النهضة لا تُختصر برفع الشعارات، بل في بناء ديناميكات اجتماعية تُنتج نظامًا مُنسجمًا في التفكير والعمل.
في الأخير، يتضح أنّ معوّقات النهضة في فكر مالك بن نبي تتوزع بين الداخل والخارج، غير أنّ جوهرها يرتكز على أزمة الإنسان والأفكار والفعالية. حيث إنّ الاستعمار، يستثمر في هشاشة الداخل، والاستبداد يقتل الطاقة الاجتماعية، والأفكار الميتة والمُميتة تشوّه الوعي، والحضارة الشيئية تستبدل البناء بالتكديس. ومن ثمّ فإنّ مشروع النهضة عند مالك بن نبي يبدأ من تحرير العقل من الخمول، وإعادة بناء الإنسان باعتباره نقطة الانطلاق، وإحياء منظومة الأفكار القادرة على تحويل المجتمع من حالة ردّ الفعل إلى حالة الفعل التاريخي.