من نافذتها

06 يونيو 2025
+ الخط -

لم يكن هناك سوى ولد واحد في المرآب الفارغ يوم الأحد. كان يقوم بتنطيط طابة على ظاهر قدمه، سرعان ما أفلتت منه وتدحرجت فوق الأرض الباطونية التي بدت مبقّعة ببرك صغيرة من مياه المطر، فاضت عن قدرتها على التشرّب. 

يجري الولد خلف الكرة البيضاء غير مكترث برذاذ المياه المُتطاير حين كان يركل الكرة. ترتطم الطابة بالحائط البعيد محدثةً دوّياً قوياً يرجّ سكون يوم العطلة. لا يكفّ عن ذلك. يعيد إرسالها بقوّة مرّة بعد مرّة، راقصاً بعد كلّ ارتطام بالجدار، وهو يرفع ذراعيه إلى فوق كما يفعل لاعبو أميركا اللاتينية حين يسجلون هدفاً.

يلعب الفتى لوحده، في حين كان ضوء النهار الشتوي القصير يولي بسرعة كبيرة تحت سماء رمادية تعد بعاصفة. سرعان ما يسود الظلام الدامس. تبقى هي واقفة هكذا، شاخصة من نافذتها المطلّة على المرآب إلى الخارج. لكنها لم تعد تميّز الصبي الذي كانت تراقبه إلا من بياض الكرة التي كان يمسك بها وهو يتجه متهادياً إلى مخرج المرآب الفارغ بعد أن كفّ عن اللعب. 

لا قمر في السماء ولا كهرباء على الأرض. صمتٌ تام يرخي بثقله، كما لو كان الكون يمسك أنفاسه متقدّماً في الظلمة، كغير الواثق من خطواته. العتمة دامسة مع أننا في مستهل المساء. أما المولّدات الخاصة للكهرباء، بديل البنية التحتية للدولة المنهارة، فلن تشتغل قبل ساعة على الأقل. إنّها مضاعفات تبديل توقيت الساعة بين فصلي الشتاء والصيف... طالما هناك بصيص نور في السماء لا تشتغل الموتورات. ابتسامة ساخرة تلوي فمها وهي تفكّر: "يا له من إجراء غبي".

لا تحيد ببصرها عن الولد حتى يختفي. ربما هو يسكن في تلك البناية عند المنعطف إلى الشارع الرئيسي.

في الصيف الماضي، تتذكّر أنهم كانوا فريقاً من سبعة أولاد. كانوا يزعجونها بضجيجهم وهم يلهون في المرآب الفارغ أسفل منزلها. في الحقيقة، هناك أكثر من مرآب يحيط بالمبنى الذي تسكنه. هناك ثلاثة منها، تكتظ جميعها ومنذ ساعات الصباح الأولى بسيارات الجنود وأهاليهم الآتين من قراهم إلى هنا من أجل معاملات المساعدات المرضية. يخرج بعضهم ليحلّ بعضهم الآخر مكانهم بسرعة. لا أحد يدقّق في هُويّة الوافدين، على الرغم من أن المرآب يقع داخل مربع أمني تُحيط به الحواجز العسكرية. 

المرآب تحت بيتها هو الأوّل الذي يتم إقفاله أمام السيارات عند حلول العصر. ربما لكونه ملاصقاً للثكنة وبالتالي ممنوع استخدامه ليلاً لدواع أمنية. تفكّر: من المفروض أنّ مرائب السيارات سهلة الاختراق أمنياً، ومراقبتها لا شكّ صعبة خصوصاً مع "فالس" السيارات الداخلة والخارجة سحابة النهار، فكيف لمربّع أمني أن يسمح بوجود تلك المرائب الثلاثة المجاورة لمستشفى عسكري وثكنة وسكن الأطباء وتعاونية للجيش؟ لا تفهم.

صمتٌ تام يرخي بثقله، كما لو كان الكون يمسك أنفاسه متقدّماً في الظلمة 

ثم تسخر من تفكيرها: البلاد كلّها مخترقة، الناس والهواتف والمؤسسات والأحزاب وشبكات الاتصالات، والسماء والأرض، والبحر والبر، فما الفرق؟ صحيح أنّ انفجاراً إرهابياً قد يحدث هنا تحت أنفها، وقد تموت هي وجيرانها، لكن ما هو الآمن في البلاد كلّها؟ أين المفر من الخطر؟ ربما السفر. بلاد أخرى؟ أصلًا الكوكب كلّه يحترق.

"ممنوع" يقول حارس المرآب لصاحب السيارة الغريب عن المنطقة والذي أراد أن يركن سيارته هنا كلّ الليل. أصبح المرآب الفسحة الوحيدة الفارغة في حي مُكتظ بالبارات والمقاهي ليلاً نهاراً. ولهذا تحديداً، كان يتحوّل في العطل والأمسيات المبكّرة الى ملعب للأولاد ومنتزه لأصحاب الكلاب من الجيران. 

هي بنفسها كانت تقصده أحياناً لتجوال طفل صديقتها في عربته حين تزورها. تتمشيان في دوائر وهما تتحدثان، والطفل الذي بدأ المشي للتو يتدرّب وهو يطارد قطّة صغيرة. 

تتذكّر أنّه من هذا المرآب ذات يوم عطلة، التقطت أربع قطط رضيعة انتزعت للتو عن أمها. كانت الصغيرات تموء بشكل موجع. سمعت من بيتها ذلك المواء: خليط من جوع وخوف. قال لها الجندي المولج بحراسة المربع الأمني إنّ شخصاً أتى مبكراً ورماها هنا في تلك الكرتونة الصغيرة. وقال إنّ الرجل عاد وركب سيارته بسرعة قبل أن يُتاح له أن يشاهد ما في داخل الكرتونة. وأردف مستاءً "ابن الحرام". 

تفكّر أنّ الجندي لم يخطر بباله أنّها قد تكون قنبلة. 

كانت تنتظر الأحد لتنعم بقليل من الهدوء في هذا الحي المرتفع الضجيج، فكانت تصبر على تصايح فريق الأولاد ساعة من الزمن وهم يتدافعون للفوز بالطابة. كانت تقول في نفسها: حرام، لا مكان للّهو في شققهم الضيّقة على رغبة أجسادهم المترعة بالطاقة، والتي تتوق للتفلّت والانطلاق. لكنها كانت تسمع نفسها تصيح بهم بعد أن تكون قد قرّرت الصبر. كان صوتها كما لو كان ينطلق لوحده بشيء من نفاد القدرة على التحمّل، تصيح بهم من نافذتها أن يهدأوا قليلاً، فيتضاحكون ويهدأون ويعتذرون بتهذيب "أوكي تانت sorry"، يقول أكبرهم. تندم لتوبيخهم فتعود لترجوهم بلطف يشبه الاعتذار أن يكملوا لعبهم لكن من دون صراخ. يكملون قليلاً قبل أن يسأموا من افتعال الهدوء، ثم يغادروا لحلول الليل.  

اليوم، عند المساء الأوّل من حلول الشتاء، لم يكن هناك من بينهم في المرآب الفارغ إلا ولد واحد، لم يُسمع له صوت. كان ينطّط الكرة فوق ظاهر قدمه بما يشبه الضجر، ثم رحل. البقية هاجروا.

ضحى شمس
ضحى شمس
كاتبة وصحافية لبنانية.

مدونات أخرى