"موسيقى تصويرية لانقلاب"

08 نوفمبر 2025
+ الخط -

على إيقاع جنريك نهاية الفيلم، انسالت دموعي بهدوء في حين كنت أحاول، من دون كبير جدوى، أن أكتم نشيجي عن جيراني من المشاهدين في قاعة السينما الباريسية، الذين كانوا يُغادرون مقاعدهم بوجوه مُتأثّرة. 

ذلك أنّ تلك النهاية المُتوقّعة، وغير المتوقّعة في آن، لهذا الفيلم الوثائقي المُذهل، ذكّرتني بكلّ أولئك الأبطال الذين كانوا أملاً لشعوبهم قبل أن تغتالهم مؤامرات الدول والمخابرات وتحالف المصالح في أقذر أشكاله. بعضهم من وطني العربي الذي تُغتال أيّ محاولة لإنهاضه، وآخرون من بلادي المُحاصرة من أجل تركيعها، وغيرهم من بلاد وأزمان بعيدة، روى لنا التاريخ بالتفاصيل كيف أُهينوا وأُذلوا من قبل المستعمرين، قبل أن يُقتلوا، إما سرّاً، يبقى كذلك لعقود ثم تتضح تفاصيله بعد تقادم الزمن ونجاة القتلة، أو علناً، لكن ضمن سياق مُفبرك ومُعقّد، كما في قصّة بطل هذا الفيلم؛ رئيس الوزراء الأوّل للكونغو المُستقلة توّا باتريس لومومبا، الذي قُتل بعد انقلاب دموي قام به العقيد موبوتو سيسيسيكو بالتعاون مع المخابرات المركزية الأميركية والحكومة البلجيكية وبالتواطؤ مع مجلس الأمن الدولي. 

"موسيقى تصويرية لانقلاب"، عنوان الفيلم الذي كان لمشهده الأخير وقع الطعنة في القلب. وهي طعنة مهّد لها هذا الوثائقي الطويل على مدى ساعتين ونصف ساعة، بمواده الأرشيفية الفريدة، ومقاطع مُتلاحقة وسريعة، على إيقاع موسيقى الجاز، بوتيرة مونتاج محمومة. وثائق صعبة التجميع، اختارها بعناية وولّفها ببراعة فائقة مُخرج وكاتب الفيلم البلجيكي يوهان غريمونبرير، من أرشيف المخابرات التي رُفعت عنها السرّية، أو أرشيف الوكالات الإخبارية، مثل "بي بي سي"، إضافة لمقابلات مصوّرة بالأسود والأبيض مع لاعبي تلك المرحلة من الحرب الباردة مثل خروتشوف وآيزنهاور، وأخرى لم يشاهدها الجمهور إلا كأخبار عادية في وقتها، أي منذ خمسة وستين عاماً، تاريخ إعدام المناضل الأفريقي بُعيد استقلال بلاده.

مقاطع مُتلاحقة وسريعة، على إيقاع موسيقى الجاز، بوتيرة مونتاج محمومة

باختصار إذاً، تدور القصّة حول استقلال الكونغو الذي وقّعه لومومبا في 30 يونيو/حزيران 1960. في ذلك الوقت، وخوفاً من حرمانهم من موارد الكونغو المعدنية الوفيرة، وخصوصاً مناجم اليورانيوم في إقليم كاتانغا، تآمر البلجيكيون ووكالة المخابرات المركزية الأميركية للقضاء على الزعيم الكونغولي للحفاظ على سيطرتهم على هذه التجارة المُربحة والضرورية لصنع القنبلة النووية. 

حاول تحالف المصالح ذاك، الذي كان خائفاً من تداعيات حدث استقلال البلاد، مفاوضة رئيس الوزراء الشاب لإبقاء سيطرته على الإقليم، إلا أنّه رفض. كان إعلان الاستقلال ردًّا على محاولة التحالف الاستيلاء على إقليم كاتانغا عبر تحريض حاكمها لإعلان "استقلال" الإقليم عن الكونغو. إلا أنّ الأحداث تسارعت وتقاطعت، فكان قرار لومومبا، وفهم رئيس الحكومة البلجيكي، كما الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور، أنّ لومومبا لن يتنازل، فكان القرار بتصفيته عبر انقلاب. 

لكن ما دخل موسيقى الجاز؟ هل لأننا نتحدّث عن أفريقيا، الموطن الأصلي لفناني الجاز المبدعين أمثال دايزي غيليسبي ولويس أرمسترونغ ونينا سيمون وكولتراين، الذين ظهروا في مقاطع كثيرة من الفيلم وهم يؤدّون مقطوعات شهيرة كانت قد حرّكت نضال الأميركيين من أصل أفريقي للحصول على حقوقهم؟ أم أن هناك صلة أخرى؟

وثائق صعبة التجميع، اختارها بعناية وولّفها ببراعة فائقة مُخرج وكاتب الفيلم

لم يكن ظهور هؤلاء لمجرّد كونهم موسيقيين أميركيين من أصل أفريقي، استخدم المخرج عزفهم لمرافقة مشاهده الوثائقية. بل اكتشفنا، عبر هذا الفيلم الذي يُعيد لفن الوثائقي أهميته، أنّهم لعبوا، من دون علمهم، أدواراً مفصلية في قصة لومومبا. حيث استخدمتهم مخابرات بلادهم بنذالة مُنقطعة النظير، ومن دون علمهم بالطبع، لإلهاء الرأي العام عن الخطّة الأميركية/ البلجيكية والأممية، عبر دفع بعضهم، كما حصل مع دايزي غيليسبي ولويس أرمسترونغ، للقيام بجولة موسيقية في الكونغو، بلاد بعضهم الأصلية، تجميلاً لصورة أميركا، في حين أن هذه الأخيرة كانت تدبّر تنفيذ خطّتها، ورئيسها بنفسه، أي دوايت آيزنهاور، يعطي الأمر بتصفية لومومبا! 

ولعل المشاهد الأخيرة لرئيس الكونغو الشاب مُعتقلاً ومُهاناً قبل إعدامه، ثم مشهد صرخة مغنية الجاز والمُناضلة آبي لينكولن لحظة اقتحامها وآخرين جلسة مجلس الأمن تنديداً بمشاركة الأمم المتحدة في إعدامه، كانت قمّة في الإبداع. حيث بدا كما لو كنا في فيلم روائي، زاد من تراجيدية نهايته أنّها كانت نهاية حقيقية بشكل مؤلم.

لكن الفيلم لم يكن خالياً من السخرية السوداء. هكذا، وفي أحد المقاطع، نسمع العقيد موبوتو، الذي كان قد اعتقل لومومبا توًّا، يُصرّح للراديو بقوله "هذا ليس انقلابًا". هنا، يضيف المخرج بعد هذه اللقطة لقطة للوحة الفنان السريالي الكبير رينيه ماغريت، التي تصوّره يدخّن غليونًا، وقد أعطاها عنوانا عابثًا: هذا ليس غليونًا. ثم لقطة لرئيس المخابرات المركزية الأميركية ألين ديونز، لا يتوقّف فيها عن إعادة إشعال غليونه. 

فيلم وثائقي تفوّق على أيّ فيلم خيالي بقوّة الرواية التي قصّها المخرج علينا

هكذا، شاهدنا فيلمًا وثائقيًا تفوّق على أيّ فيلم خيالي بقوّة الرواية التي قصّها المخرج علينا، حيث استطاع ربط عناصرها بمهارة الصحافي المُحقّق، لكي يخرج بفيلم بقوّة فضيحة سياسية. فضيحة نفضت كلّ ما تراكم فوقها عبر عقود، لتقول لنا شيئًا مهمًّا خصوصًا في سياق ما نعيشه اليوم: إنّ العلاقة بين الغرب ودول الجنوب العالمي كانت دائمًا وبشهادة التاريخ تتلخص ببساطة في ما يلي: رغبة دائمة في الهيمنة ونهب ثروات الآخرين واستعبادهم، عنصرية مُخيفة، وشراسة شهوة للتسلّط لا توفّر وسيلة لتحقيق أهدافها: إمّا علنًا وبفجاجة كما بالاحتلال المباشر، أو في ظلّ مؤسسات وشبكات دولية تعمل بأشكال سرّية، مُتجاوزة كلّ القوانين الدولية والأخلاقية والإنسانية، وللأسف، غالبًا ما تنجح مساعيها في النهاية، إضافة للإفلات من العقاب.

وكما يحصل لنا اليوم في لبنان، وسورية وفلسطين، وأماكن أخرى من العالم، يبدو أنّ "الوصفة" بقيت هي نفسها، لم تتغيّر إلا بتحديث بعض أدواتها، مستفيدة من التقدّم التكنولوجي لتسريع تنفيذ عملياتها وتمويهها، كما لتعزيز إفلاتها من المحاسبة. خصوصًا أنّ المؤسسات الدولية المولجة بتنفيذ القانون وردع المعتدين على سيادة الدول، تبدو خانعة أكثر من أيّ وقتٍ مضى. 

ربما لهذا بكيت أيضاً.

ضحى شمس
ضحى شمس
كاتبة وصحافية لبنانية.

مدونات أخرى