هل يكتب الشعراء غيرنيكا الحرب السورية؟
قرأت من بضعة أيام "قصائد حبّ في زمن الإبادة" من إبداع الشاعرة السورية وداد نبي نشرتها في "ضفة ثالثة" في موقع جريدة العربي الجديد. رافقت القصائد لوحة غيرنيكا، الحرب الإسبانية، للفنان والرسام والنحات الإسباني بابلو بيكاسو –كانت لفتة إبداعية موفقة– لا تكمن قوة هذه اللوحة في النظرة الأولى، بل تتطلب وقتًا للتأمل ولحظة تفكير لفهمها، كما هي قصائد الشاعرة وداد نبي تمامًا.
أعمال بابلو بيكاسو في العموم تدعو إلى التأمل الذاتي، ومن خلال هذه الدعوة، يكتسب المتلقي معرفة أعمق. هذا لا يزيد من قيمة أعمال بيكاسو فحسب، بل يسعى أيضًا إلى تمكين الجمهور بالمعرفة الشخصية، والوعي الإعلامي، والاهتمام بالتفاصيل. تُعدّ لوحة غيرنيكا تذكيرًا بأهوال الماضي، وتحذيرًا في الوقت نفسه من تكرار مثل هذه الأحداث. عندما سُئل بيكاسو عن ماهية الفنان، أجاب: "إنه كائن سياسي، يدرك باستمرار الأحداث المفجعة والمؤثرة والمبهجة التي تحدث في العالم، ويشكل نفسه بالكامل على صورتها. الرسم ليس لتزيين الشقق، بل هو أداة حرب".
تحكي غيرنيكا قصة حياة بلدة دمرتها الحرب. تتناثر الأطراف المقطوعة على سطح اللوحة: أيادٍ، وأقدام، وأذرع، وحتى رؤوس. تمسك يدٌ بزجاج مكسور يبدو أنه عينٌ أو زهرة؛ وقد يرمز هذان العنصران المتشابكان إلى قدرة الإنسان على السلام والحرب. يمتد هذا الموضوع إلى الثور والحصان، مما يوحي مجددًا بأن البشر في توحشهم يميلون أكثر إلى ما جاء في كتاب الشاعر السوري ممدوح عدوان "حيونة الإنسان" ولا نرغب في تصديق ذلك. المصباح الكهربائي في اللوحة هو عين الشمس ومثير للاهتمام أيضًا، إذ يمكن أن تكون الشمس عينًا، أو ربما صدعًا في السماء يُشاهد الخالق من خلاله أفعال البشر، فهو قريب يُجيب دعوة الداعي، وفي كلتا الحالتين، ثمة ما يُقال عن هوية من يشاهد هذا الدمار. وربما تكون عين الطيار الحربي الذي أسقط القنابل على هذه البلدة الوادعة. توفر هذه الرموز الكثير للتأمل، ويبدو أن بيكاسو كان مرتاحًا لهذا الغموض. نقرأ في كتاب "غيرنيكا بيكاسو"، وهو دراسة نقدية حررتها إيلين أوبلر، قول بيكاسو: ليس من شأن الرسام أن يحدد الرموز. يجب على الجمهور الذي ينظر إلى اللوحة أن يفسر الرموز كما يفهمها.
لوحة غيرنيكا أحادية اللون، عكس بعض لوحات بيكاسو، وتعتمد على درجات متفاوتة من الرمادي والأسود والأبيض. يتميز تكوين اللوحة بطابع التكعيبية، إذ يعتمد على الأشكال الهندسية والتجريد. وبينما تمتلئ معظم مساحة اللوحة بأشكال مشوهة، نجد هناك العديد من الرموز الواضحة: الشمس، والمصباح الكهربائي، والثور، والحصان. وقد أُعيد إنتاج لوحة غيرنيكا على مر السنين، بما في ذلك جدارية في بلدة غيرنيكا نفسها.
عاش بابلو بيكاسو حياةً حافلةً امتدت من أواخر القرن التاسع عشر حتى وفاته في سبعينيات القرن العشرين. وخلال هذه الفترة، شهد العالم أحداثًا تاريخيةً لا حصر لها، وعايش ويلات الحربين العالميتين، فضلًا عن التطور التكنولوجي المتسارع الذي غمر عالمنا. فلا عجب إذن أن تبقى لوحة غيرنيكا واحدةً من أكثر اللوحات المناهضة للحرب تأثيرًا وإثارةً للرعب في التاريخ.
لا يمكن تجاهل لوحة غيرنيكا بمجرد إلقاء نظرة سريعة عليها. فهي غنية بالسياق التاريخي. وغيرنيكا هي التهجئة الإسبانية لاسم بلدة واقعة في مقاطعة بيسكاي. هذه البلدة صغيرة للغاية وهي جزء من إمارة داخل إقليم الباسك (منطقة تتمتع ببعض الحكم الذاتي في شمال إسبانيا). وقد تعرضت غيرنيكا لقصف جوي مكثف نتيجة للحرب الأهلية عام 1937. دمرت القوات الجوية البلدة تدميرًا كاملًا.
تحكي غيرنيكا قصة حياة بلدة دمرتها الحرب. تتناثر الأطراف المقطوعة على سطح اللوحة: أيادٍ، وأقدام، وأذرع، وحتى رؤوس. تمسك يدٌ بزجاج مكسور يبدو أنه عينٌ أو زهرة
كان بابلو بيكاسو يعيش تلك الأيام في باريس، وعندما علم بما حدث لهذه البلدة الصغيرة، وبصفته رجلًا وُلد في إسبانيا، لا يسع المرء إلا أن يتخيل ما شعر به عند قراءة الأخبار. وقد يجادل البعض بأن هذا كان عائقًا؛ فهو لم يكن حاضرًا وقت وقوع الأحداث، فكيف له أن يُجسد المشاعر الجياشة والدمار؟ تُجيب اللوحة عن هذا السؤال وأكثر. فالألوان الأحادية لا تُصبح مجرد تعبير عن الرعب والحزن، بل تُقدم الصورة أيضًا خبراً تاريخياً. ومثل مصور حربي، يتجاوز بيكاسو مجرد نقل الأخبار، ويغوص في أعماق الرعب واليأس اللذين سادا تلك اللحظة. لم يكن بيكاسو يستذكر حدثًا مروعًا فحسب، بل استخدم هذه اللوحة الجدارية الضخمة منصةً لدعم التعبيرية الحديثة وحركة فنية مُكرسة للحرية والفكر الإبداعي.