هل ينهار النظام العربي أم يعيد تشكيل ذاته؟
كشفت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران عن لحظة مفصلية في تاريخ النظام الإقليمي العربي؛ إذ لا تبدو هذه المواجهة مجرد صراع عسكري محدود، بل تعبيراً عن تحوّل عميق في بنية التوازنات الجيوسياسية والاستراتيجية في الشرق الأوسط. فهي تأتي امتداداً لسلسلة من الأزمات التي عمّقت هشاشة النظام العربي، وأكدت تآكل قدرته على الفعل المستقل، بعد سنوات من الاستنزاف الناتج عن حروب متعددة في غزة والضفة الغربية ولبنان وسورية.
لم يعد ما يجري مجرد تنافس بين دول، بل غدا مؤشراً واضحاً إلى تفكك منظومة إقليمية عربية ظلّت لعقود تعتمد على الحماية الخارجية، وتفتقر إلى مشروع استراتيجي موحّد. وقد أفضى هذا الواقع إلى بروز فراغ جيوسياسي خطير، عبّر عنه مروان المعشر بقوله: "هناك فراغ هائل في العالم العربي يملؤه الجميع باستثناء العرب. وهناك مشروع إيراني، ومشروع إسرائيلي توسعي، ومشاريع أخرى تُشكّل المنطقة، لكن لا يوجد مشروع عربي".
هذا الفراغ لا يُملأ عشوائياً، بل عبر مشاريع إقليمية متنافسة تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، في ظل غياب رؤية عربية ذاتية. فإسرائيل تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يعزز موقعها فاعلاً مهيمناً، مستفيدة من أدوات متعددة، مثل التطبيع وفرض ترتيبات أمنية جديدة، وإعادة تعريف أولويات الصراع. في المقابل، يبقى المشروع الإيراني حاضراً عبر أدوات نفوذ غير مباشرة، ما يجعل المنطقة ساحة صراع مفتوح بين مشاريع غير عربية.
وتكمن المعضلة الاستراتيجية للعرب في أنهم الطرف الأكثر عرضة لتداعيات هذا الصراع، دون أن يكونوا طرفاً فاعلاً في توجيه مساراته. فالولايات المتحدة تحرّك الأزمات وتديرها ثم تنسحب، وإسرائيل تصعّد وتُشعل الحروب ثم تفرض وقائع جديدة، بينما تُترك الدول العربية لإدارة النتائج؛ سواء تمثلت في انهيار محتمل للدولة الإيرانية وما يحمله من فوضى طويلة الأمد، أو في بقاء نظام ضعيف يلجأ إلى سياسات انتقامية عبر الحروب بالوكالة.
هناك فراغ هائل في العالم العربي يملؤه الجميع باستثناء العرب، وهناك مشروع إيراني، ومشروع إسرائيلي توسعي، ومشاريع أخرى تُشكّل المنطقة، لكن لا يوجد مشروع عربي
وتزداد خطورة هذه المعادلة مع غياب وضوح الأهداف المعلنة للحرب، ما يعيد إلى الأذهان تجربة العراق بعد عام 2003، حين أدى إسقاط النظام إلى تفكيك الدولة وفتح الباب أمام صراعات داخلية وإقليمية طويلة. وبالتالي، فإن الخطر لا يكمن فقط في مسار الحرب، بل في "اليوم التالي" لها، حيث يُحتمل أن ينشأ فراغ جيوسياسي يُعاد ملؤه على حساب المصالح العربية.
في قلب هذه التحولات، يحتل الخليج العربي موقعاً محورياً، ليس فقط باعتباره مسرحاً للتأثر العسكري، بل ركيزةً أساسية في معادلات الطاقة والممرات البحرية والتوازنات الدولية. كما أن امتدادات الصراع عبر العراق وسورية، وشبكات النفوذ الإقليمي، تجعل من الحرب أداة لإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية على نطاق أوسع، بما يشمل إعادة تعريف حدود التدخلات العربية والدولية.
تشير هذه المعطيات إلى أن الحرب الحالية ليست حدثاً عابراً، بل صراعاً استنزافياً متعدد المستويات، يُعاد من خلاله رسم خريطة النفوذ الإقليمي، واختبار قدرة الفاعلين على الصمود وإدارة الضغوط. وبذلك تصبح الحرب وسيلة لإعادة هندسة النظام الإقليمي برمته، بما يكرّس التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي، ويعيد ضبط أدوار القوى الأخرى، خاصة الدول العربية.
الحرب وسيلة لإعادة هندسة النظام الإقليمي برمته، بما يكرّس التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي، ويعيد ضبط أدوار القوى الأخرى، خاصة الدول العربية
وتواجه الدول العربية اليوم ثلاثة تحديات رئيسية: أولها إعادة تشكيل قسري للنظام الإقليمي يضع إسرائيل في موقع "المركز الأمني"، وثانيها تفكيك البيئة الإقليمية عبر تأجيج الصراعات الطائفية والسياسية، وثالثها استنزاف الموارد العربية مالياً واقتصادياً وسياسياً. وتنعكس هذه التحديات في تضييق هامش القرار السيادي، وزيادة الضغوط لإعادة الاصطفافات، وتآكل شبه تام للدور العربي في قضايا مركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ولا شك أن التداعيات الاقتصادية والأمنية متعددة؛ سواء من حيث اضطراب أسواق الطاقة وتهديد سلاسل الإمداد، أو من حيث تزايد الإنفاق الدفاعي ومخاطر توسّع الصراع وتهديد الممرات البحرية. غير أن الخطر الأعمق، على المستوى الجيوسياسي، يتمثل في احتمال ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية في حال غياب بديل إقليمي متوازن.
وبرأينا، تكشف هذه الأزمة عن فرصة نادرة — وربما أخيرة — لإعادة بناء الفعل العربي على أسس جديدة. فالتحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من منطق "التكيّف القطري" إلى منطق المبادرة القومية، عبر بناء أطر مؤسسية أكثر تماسكاً، والانتقال من التنسيق الشكلي إلى تحالفات دائمة، ونماذج تعاون تتجاوز الفجوات الاقتصادية والسياسية بين الدول العربية، لتشكّل نواة نظام عربي قادر على حماية مصالحه الاستراتيجية.
وهذا يتطلب، بالضرورة، إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي بوصفه مشروعاً مؤسسياً طويل الأمد، يقوم على التكامل الدفاعي والاقتصادي والسياسي، إلى جانب تطوير قدرات ذاتية نسبية تقلّل الاعتماد على الخارج.
لا تبدو المنطقة متجهة نحو نهاية صراع، بل نحو بداية مرحلة طويلة من إعادة التشكّل. ومن ثمّ، فإن الحياد السلبي العربي يظل خياراً محفوفاً بالمخاطر، كما أن الانخراط غير المحسوب قد يقود إلى تداعيات وجودية. وعليه، فإن الخيار الأكثر استدامة يتمثل في بناء منظومة أمنية عربية مرنة، قائمة على المصالح المشتركة والتكامل الاستراتيجي، لا على التبعية أو الاصطفافات الضيقة.
تقف الدول العربية اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: فإما الاستمرار في موقع المتلقي لتداعيات التحولات الإقليمية، بما يعني مزيداً من التآكل والاستنزاف، أو اغتنام هذه اللحظة لإعادة بناء دورها فاعلاً رئيسياً في صياغة مستقبل المنطقة. وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح النظام العربي في المرحلة المقبلة.