استمع إلى الملخص
- تعيش سوريا في مأساة مستمرة من الدمار والتهجير، مع خطاب يقسم المجتمع ويمنع الحوار، مما يعمق الأزمة ويعقد الحلول.
- الحل في سوريا يتطلب لغة سياسية جديدة تعترف بتعدد الهويات وتفصل بين الدولة والطائفة، مستلهمة من الإلياذة في الاعتراف بالمأساة والآخر.
"أنشدي أنتِ، أيتها الإلهة، غضب أخيل"، بهذه الشهوة للدم والقدر، تبدأ الإلياذة، لا كقصيدة، بل كمرآة لحرب تتصارع فيها الآلهة والظلّ، وتُكشَف فيها المأساة الإنسانية على حقيقتها. لم تكن الإلياذة حكاية عن نصر أو هزيمة، بل عن الإنسان وهو يُختبَر في لحظة الغضب، والولاء، والفقد. هناك، في قلب الملحمة، لم ينحز هوميروس لأحد. أنصت لأخيل كما أنصت لهكتور، وخلّد المأساة بتعدّد وجوهها، لا بانتصار أحد على الآخر.
هذه الإرث الهوميري المتجسد في الرؤية المتعددة التي ترى في كل طرف جزءاً من الحقيقة هي ما نفتقده اليوم في فهم السياسة، وبشكل أخص في النظر إلى ما جرى، وما يجري، في سورية.
منذ أكثر من عقد، تعيش سورية في قلب مأساة متواصلة: مدنٌ مدمرة، ومنفى يُجرّ إلى منفى، وخرابٌ يلد خراباً، وكلماتٌ تُقطع كما تُقطع الرؤوس. مَن الذي كتب المأساة؟ ومن أي مرآة ننظر إليها؟ حربٌ متعددة الأبعاد والوجوه، لم تُبقِ سردية إلا مزّقتها، ولم تترك إنساناً إلا امتحنته بالموت أو الخسارة أو التهجير.
مع هذا كله، طغى ولا يزال على المشهد السوري خطابٌ تبسيطي حاد: "نظام" و"معارضة"، "علوي" و"سني"، "درزي" و"مسيحي"، "شهيد" و"خائن"، "معنا" و"ضدنا"، "شهيد" و"خنزير"، "وطني" و"عميل"، "أموي" و"شيعي". هكذا، ضاعت اللغة، اختفت المساحات الرمادية، وصعدت الطائفية كدخان أسود، يخنق الفكرة قبل أن تولد. ضاعت الفروق، وصار من المستحيل أن تُصغي لصوت "الآخر" دون أن تُتهم بالخيانة.
لكن، ماذا لو سمعنا صوت هكتور في السويداء، وصوت أخيل في دمشق؟ ماذا لو نزعنا القناع الطائفي عن اللغة، ونظرنا إلى الإنسان تحت اللقب؟ ألن نكتشف أن البطولة، كما قال هوميروس، قد تكون في الهزيمة أيضاً؟
لا يكون المجد في الانتصار وحده، بل أحياناً في الاعتراف بالمأساة
إن العنف، في جوهره، هو نفي للسياسة. وهذا ما فهمه الإغريق مبكراً، وما أنكرتْه شوارع دمشق واللاذقية والرقة وغيرها. في سورية، لم يُقتل الإنسان فقط، بل قُتل معه الحوار. قُتلت المساحات الرمادية. لم يعد ممكناً أن تسأل دون أن تُتَّهَم، أو أن تُفكّر دون أن تُجرَّد من حقك في الانتماء.
ما نحتاجه اليوم هو ما يمكن تسميته بالحياد الهوميري، لا كحيادٍ رماديٍّ أو عدميّ، بل كقدرة على رؤية الآخر من دون اختزاله أو شيطنته. وكما منح هوميروس الكلمة للطرفين، نحتاج نحن أيضاً أن نمنح المعاناة صوتاً، في جميع مواقعها، من دون أحكام مسبقة، ومن دون هندسة سياسية تخدم سردية واحدة.
لكن المأساة السورية ليست في العنف وحده، بل في اختفاء السياسة ذاتها. في غياب الكلمة، وضياع القدرة على النقاش، وظهور جدران لغوية تمنع التفاهم. شيئاً فشيئاً، صار التفكير خارج المعسكرات المتقابلة مدعاة للريبة، إن لم يكن للخطر. فقدنا ما وصفه أرسطو بـ"الفطنة السياسية" (phronesis) — أي القدرة على اتخاذ موقف انطلاقاً من استيعاب تعقيد الواقع، لا عبر الاستسلام للشعارات.
السياسة الحقيقية لا تبدأ عندما نُقصي من نختلف معه، بل عندما نُنصت إليه، لا لنغيّره بالضرورة، بل لنفهمه. وفي الفهم، تكمن بذور التغيير الحقيقي. سورية لن تكون طالما أن نصفها يُقصي النصف الآخر، وطالما أن التفكير من منظور مختلف لا يزال يُعَدّ خروجاً عن "الصف".
لا خلاص في سورية من دون لغة سياسية جديدة، تعترف بتعدّد الهويات، وتفصل بين الدولة والطائفة، وتعيد للكلمة دورها الأساسي في الفعل السياسي. ليست هذه دعوة إلى تسامحٍ شكلي، بل إلى اعتراف واقعي وصريح بتعقيد البنية السورية، وتجاوزها عبر تفكير يتجاوز الهوية الضيقة، ولا يسقط في فخ الانتقام.
وكما في الإلياذة، لا يكون المجد في الانتصار وحده، بل أحياناً في الاعتراف بالمأساة، بحقيقة الآخر، وبحدود الذات. ففي واحدة من أعمق لحظات الملحمة، يخاطب الملك بريام قاتل ابنه هكتور، لا ليأخذ بثأره، بل ليسترد جسد ابنه من أرض المعركة. يقول له: "اذكر أباك، يا أخيل، فكّر به، مثلي أنا الذي يفقد ابنه الآن... لا عدل في هذا العالم، بل دموع الآباء في زمنٍ لا يعرف الأبناء فيه إلا السيف". بهذه الكلمات، ينقلب ميزان الحرب: مأساة يتقاسمها الجميع.
في سورية اليوم، لن تكون البداية من دستور جديد أو سلطة بديلة، بل من هذه اللحظة الإنسانية العميقة: الاعتراف المتبادل بالخسارة. فأنشد أنتَ، يا هوميروس، إلياذة سورية.
* شاعر ومترجم مقيم في إسبانيا