إغلاق لو كومودور.. اغتيال شاهد على بيروت

07 يناير 2026   |  آخر تحديث: 08:03 (توقيت القدس)
مسلحون في فندق كومودور ببيروت، 21 نوفمبر 1985 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فندق لو كومودور في بيروت، رمز تاريخي، سيغلق في يناير 2026، بعد تاريخ طويل من المعاناة منذ الحرب الأهلية اللبنانية، حيث كان مركزًا للصحافيين والسياسيين وشهد أحداثًا مؤلمة.
- منطقة الحمرا، التي تحتضن الفندق، كانت رمزًا للتعدد الثقافي في لبنان، لكنها فقدت هويتها الثقافية والاجتماعية مع اندلاع الحرب الأهلية، مما أدى إلى تدهور الحياة الثقافية والاجتماعية.
- إغلاق الفندق يعكس تدهور الحياة السياسية والثقافية في لبنان، الذي يعاني من أزمة سياسية واقتصادية عميقة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل البلاد.

ليس خبر إغلاق فندق لو كومودور في 10 يناير/ كانون الثاني 2026 مفاجئاً بالكامل، إذ إنه الفندق التاريخي الأبرز في العاصمة اللبنانية، بحيث يكاد يكون تاريخها الحديث، شمله ما أصابها بدءاً من 1975 الذي انفجرت فيه الحرب الأهلية. لا بد أن معاناته منها بدأت باكراً ما دام مفتوحاً لمؤتمرات سياسية وثقافية، بل هو مقر للصحافيين العرب والأجانب. إنه هكذا متصل بالمدينة، مندغم فيها، بحيث يحمل اسمها وتحمل اسمه. منذ الحرب تلحق أخباره أخبار البلد. مع الحرب، غصّ بالصحافيين لكن حين بدأ خطف الصحافيين وقتلهم كان نصيبه الأكبر من ذلك، ففيه قُتل ميشال أبو جودة المعلق الصحافي البارز في يومية النهار. الفندق الذي بني 1943 لم يطق هذه الحملة التي زعزعته؛ ثم كان الاحتلال الإسرائيلي الذي تعرض خلال فترة وجوده ثلاث مرات للقصف.

استمرت حملة خطف الأجانب في الثمانينيات وزادت عليها الأضرار التي تعرض لها، ما جعل أصحابه يقومون بهدمه 1996. كان هذا هو العطالة الأولى التي تعرض لها الفندق الذي كان ملتقى الصحافيين ورجال الأعمال والسياح ومسافري الطبقة الوسطى. وكان بموقعه وأقدميته من معالم العاصمة اللبنانية. كان بذلك حاضناً لولادة لبنان وقيام دولته الأولى، فهو الذي بني قبيل الاستقلال، بقي طوال الوقت الذي سبق الحرب الأهلية وحتى أثناءها، أحد المحافل البارزة للحياة السياسية والثقافية اللبنانية. يمكننا القول إن إعلان إغلاق الفندق بعد أيام من بداية هذا العام، سيكون نهاية معاناة طويلة مرّ بها الفندق في موازاة ما يمر به البلد كله، وإن إغلاقه في النهاية عنوان آخر من عناوين المأساة اللبنانية.

جندي سوري أمام الفندق، 27 فبراير/شباط 1987 (Getty)
جندي سوري أمام الفندق، 27 فبراير/شباط 1987 (Getty)

إغلاق لو كومدور ليس حدثاً وحيداً بل هو يستكمل مراميه إذا رددناه إلى واقع أوسع، بل مدى أعم، ليس لبنان فقط بل المحلة التي تحتضن الفندق وكانت وعد لبنان الجديد الذي لم يتحقق. هذا الحي الذي يحمل اسماً يكاد يماثل اسم البلد شهرة، هو منطقة الحمرا. هذه المنطقة التي تحولت من ريف زراعي إلى مركز للجامعة الأميركية، التي استقبلت منذ تأسيسها طلبةً من كل لبنان وكل العرب. كان لبنان الآخر، لبنان العلم والتجارة، لبنان المفتوح للعرب. لبنان القائم على الاقتصاد والعلم. لبنان متعدد الجماعات والطوائف واللغات والشعوب. كان هنا لبنان أكثر معاصرة وكونية، كان هنا المستقبل الذي سرعان ما انقصف بالحرب الأهلية. كانت الحمرا مجتمعاً متعدداً ولا يحمل عنواناً طائفياً، كما هي الحال في بقية المناطق اللبنانية. كان العلم والاقتصاد والثقافة عنوانه. كانت مقرّ السينمات والمسارح والصحف المقاهي، بما في ذلك مقاهي المثقفين. مع الحرب الأهلية بدأ الحي يفقد مظهره وحقيقته. صار في أحيان كثيرة مدار حروب المليشيات، وشارعاً للمهجرين من كل ناحية. ومع الوقت، أُغلقت صالات السينما والمسارح ومقاهي المثقفين بعد أن غادرته صحف كالنهار وتوقفت أخرى كالسفير، وكذلك صالات السينما مثل كالميرينيان والسارولا، والمسارح كالبيكاديللي. الصحف ومقاهي المثقفين جميعها مغلقة أو متحولة إلى شيء آخر لا يمت إلى بداياتها.

إغلاق الفندق عنوان آخر من عناوين المأساة اللبنانية

لو كومودور الذي كان هدم وأعيد إعماره سنة 1996، يستسلم هذه المرة ويرضخ للأزمة. هو الذي شارك في إطلاق الحياة السياسية والثقافية، لا يستطيع أن يقاوم بعد، هذا الإدقاع السياسي لدرجة  الخلو منها، أو ما يكاد، أو استبدالها بما يشبه التسول أو التفاهة أو حتى التهريج، كما حدث مؤخراً حين استطاع حدّاد منتحل إمارة أن يلعب بالسياسيين. لقد انتهت الحمرا تقريباً، ويكاد أن ينتهي معها المشروع اللبناني. أيام ويغلق لو كومودور بعد أن أُغلقت بالتدريج كل المعالم المدينية. ليس أمام اللبناني العادي إلا أن يغلق على نفسه، ويفكر كيف يعيش المرء بدون مستقبل.

من يتجول في الحمرا اليوم لن يعاوده، إذا كان في السن التي عرف فيها الحمرا القديمة، شيء من ذلك إلاحساس القديم بأن ثمة حياة أخرى تنبسط أمامه. سيجد نفسه أمام منطقة مثل بقية المناطق. لن يفتقد بالطبع لو كومودور الذي لا يوحي منذ وقت بشيء، لكنه حين يرى الصالات المتروكة، سيفهم أنه منذ وقت طويل لا يملك سوى التعداد. ليس لديه منذ سنين سوى تلك الحياة خارج كل شيء، وخارج كل مشروع. الآن لا يعني المجتمع ما كان مأمولاً أن يعنيه، لا يعني الوطن أو الدولة أو السياسة سوى افتقاد كل ما تأسس منها أو ينبني عليها.

* شاعر وروائي من لبنان

المساهمون