البحث عن زمننا المفقود

24 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 07:03 (توقيت القدس)
لوحة للفنان السوري سعد يكن (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الزمن المفقود والحنين للماضي: يعبر عنوان رواية "البحث عن الزمن المفقود" عن حال السوريين الموالين للنظام، حيث يحنون لعصر أموي مفقود دون تقديم بديل حقيقي في الحاضر.

- استخدام الماضي لأغراض سياسية: يُستغل مفهوم الزمن المفقود لاختراع الأعداء وتحشيد الموالين، دون تقديم مشروع سياسي أو اقتصادي بديل، مما يعزز الانقسام ويمنع التقدم.

- الواقع العربي المعاصر: يعاني العالم العربي من غياب مشاريع عظيمة تحقق الحرية والرفاه، حيث يقتصر الأمر على تمجيد الحكام دون تقديم حلول حقيقية للمشكلات الحالية.

اللافت أن عنوان رواية مارسيل بروست "البحث عن الزمن المفقود"، من أكثر العناوين التي تشير إلى الحال العربي، ومن أكثر العبارات التي تعبّر عن بوصلة كثير من السوريين الموالين للسلطة الحاكمة اليوم في سورية، لأنها تصلح أن تكون لهم بمثابة استعادة لتلك الأزمان التي يزعمون أنها ضاعت منهم، دون أن يكون الحاضر قد قدّم لهم ما يبتغون. إذ تظهر معظم النضالات التي خاضوها من أجل تغيير حياتهم للأفضل وقد ذهبت هباءً.

يزعم أنصار النظام الجديد في سورية، أن العصر الأموي وحده هو الزمن المفقود الذي يريدون استعادته، ومن الصعب على أنصار ذلك الزمن المشتهى أن يذكروا تفاصيل ما الذي يريدونه غير ترداد اسمه. إذ يظهر الحنين إلى الماضي تأكيداً لهوية صغيرة وضيقة وتعجيزية، في تاريخ عربي وإسلامي يمتدّ إلى حوالي ألف وخمسمئة عام. 

فحُكم الأمويين، لن يتكرّر قطعاً، وإذا ما أريد أن يستعاد فإن على من يحمل هويته إعادة إنتاج أفضل ما لديه، لا الأسوأ، أو أن عليهم أن يذكروا لنا ما الذي يريدونه: العدالة، أم البطش، أم تصفية المعارضين، أم قتل الخصوم، وملاحقتهم، أم قطع الرؤوس، أم نشر العلم والتعليم؟ 

تستخدم فكرة الزمن المفقود لاختراع الأعداء وتحشيد الموالين

هل فُقد زمن ماض مجيد ولا مثيل له بالفعل؟ أم أن الشعار يبتغي أن يوقظ مشاعر الجمهور الذي يهتف للزعيم في الزمن الحاضر؟ المشكلة التي تدفع لمثل هذه الأوهام هي أن التاريخ العربي الحديث والمعاصر لا يقدّم أجوبة لمن يريد أن يبني الحاضر، إذا ما كان مصّراً على موضوع الزمن المفقود، أو الاستعارة من الماضي.
 
والمؤسف ألا يكون في هذا الزمن العربي غير القتل والسجون والمذابح منذ ثمانين عاماً، وهو الزمن الذي شهد تحرّر معظم البلاد العربية من المستعمرين حتى اليوم.

وتزداد العبارة غموضاً حزيناً في الوجدان العربي كله، حين يراقب المجتمع مصائره، فلا يجد في قاموسه السياسي مشروعاً "عظيماً" واحداً، يمكن أن يشيد به المرء، من حيث المردود الذي يؤمن الحرية والرفاه والعيش الكريم للشعب كافة، وليس لفئات من الانتهازيين، ولهذا لا يجد أنصار الحكام، غير تمجيد الحاكم؟ كأن ما نبحث عنه دائماً هو الشخص الذي سنلبسه ثياب البطل، دون أن نسأل: ما نفع البطل؟ بمَ يفيد زمننا وجود بطل يعجز، أو يمنع، عنا الطحين، أو وقود التدفئة للشتاء، أو لا يعرف كيف يعيد للبلاد وحدتها المهددة، أو يستنفر جماعة في الوطن ضدّ جماعة أخرى، أو يعجز عن حمايتنا من طيران العدو، ومن قصف المدفعية؟ ومن احتلال أراضٍ سورية جديدة؟

وتشير كل الوقائع التي حدثت في سورية، في الأشهر العشرة الماضية، إلى أن الزمن المفقود غير صالح لزماننا، وهو يستخدم من أجل اختراع الأعداء من جهة، وتحشيد الموالين من جهة ثانية، دون أن يستطيع حمل أي مشروع سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي بديل، بل هو معاد بالأصل لمثل هذه المشاريع، لأنه قائم على إلغاء الآخرين، وإرغامهم على الركوع، لا المشاركة. 

* روائي من سورية