التمثيل العربي في اليونسكو.. على قوائم التراث والمأكولات
استمع إلى الملخص
- مشروع "كتاب في جريدة" كان استثناءً ناجحاً في تحويل الثقافة إلى ممارسة يومية، لكنه توقف دون مبادرات مشابهة، مما يبرز الحاجة إلى دعم مستدام للثقافة العربية.
- غياب المشاريع الثقافية المستدامة والدعم للكتّاب والمترجمين يثير التساؤلات حول جدوى الوجود العربي في اليونسكو، ويدعو لإعادة تعريف العلاقة مع المنظمة.
منذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، لم تغب الدول العربية عن حضورها، بل احتلّت مواقع متقدّمة في هيئاتها، وشاركت في برامجها، وشغلت مناصب إدارية وتمثيلية في مختلف لجانها. ويبلغ عدد الدول العربية الأعضاء فيها نحو 19 دولة، وهو رقم كبير من حيث التمثيل العددي. لكن رغم هذا الحضور الكثيف، يظل السؤال الجوهري: ماذا يعني فعلياً وجود الدول العربية في اليونسكو؟ وهل لهذا الوجود أثر ثقافي حقيقي يتجاوز التمثيل الرمزي وتبادل الخطابات والمجاملات؟
في معظم الأحيان، يبدو هذا الحضور أقرب إلى استثمار يتمثّل في تقديم ملفات التراث، وإدراج مواقع أثرية ضمن قوائم التراث العالمي، أو الاعتراف ببعض المأكولات والرقصات الشعبية كجزء من التراث غير المادي. وعلى الرغم من القيمة الرمزية والتوثيقية الكبيرة لهذا البعد، بوصفه سجلاً للذاكرة الجمعية ومحفزاً للاعتراف بتاريخ من التجارب والهويات المهمشة، فإنه يظل غير كافٍ لتأسيس مشروع ثقافي مستدام. فلا يمكن لهذا الجانب وحده أن ينهض بالفعل الثقافي المعاصر أو يُشكّل بديلاً عن الثقافة الحيّة التي تنبض في تفاصيل الحياة اليومية، وتتفاعل مع أسئلتها وتحوّلاتها، وتعبّر بصدق عن تطلعات الناس في حاضرهم ومستقبلهم.
أقرب ما لامس هذا الطموح، ولو لفترة قصيرة، كان مشروع "كتاب في جريدة"، الذي أطلق في نهاية التسعينيات بدعم من اليونسكو وبمساهمة عربية فعّالة. استطاع هذا المشروع الاستثنائي بطبيعته، وفكرته، وانتشاره، أن يُوصل الأدب إلى أيدي الناس مباشرة، بلا وسطاء ولا نخب مغلقة، وأن يُعرّف قرّاء الصحف بأعمال أدبية وفكرية عربية من مختلف أنحاء العالم العربي، مجاناً، ضمن الصحف اليومية. لقد جسّد المشروع إمكانية حقيقية لتحويل الثقافة إلى ممارسة يومية، وجعلها متاحة للجميع، قبل أن يتوقف بصمت، دون أن تخرج إلى النور أية مبادرة مشابهة له على امتداد أكثر من عقدين.
ما فائدة أن يُحتفى بالخط العربي إذا لم يكن هناك دعم للكتّاب؟
اليوم لا مجلة ثقافية عربية تصدر عن المنظمة، ولا سلسلة نشر مستدامة، ولا مشاريع رقمية تفاعلية، ولا دعم للترجمة من العربية وإليها، ولا حتى خطة متوسطة الأمد لدعم القراءة أو صناعة النشر في العالم العربي. تتكرر الشعارات: التنوع، التسامح، الحوار، بينما تغيب الآليات الواقعية التي تجعل من هذه الكلمات أفعالاً. أليس هذا الغياب سبباً كافياً للتساؤل عن جدوى الوجود العربي في اليونسكو؟
في ظل هذا كله، ليس غريباً أن تتحوّل بعض المبادرات العربية في اليونسكو إلى مناسبات شكلية؛ تحتفي بلقب هنا، أو "اعتراف" هناك، ثم تنتهي إلى صور في بيان ختامي. فما فائدة أن تدرج مدينة عربية في قائمة التراث الإنساني، إذا كانت هذه المدينة نفسها تعاني الإهمال أو تُستنزف تحت ضغط السياحة الاستهلاكية؟ وما فائدة أن يُحتفى بالخط العربي كموروث فني، إذا لم يكن هناك دعم فعلي للكتّاب، والمترجمين، والرسامين، ودور النشر المستقلة؟
ربما نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى إلى أن نعيد تعريف علاقتنا باليونسكو، وأن نتساءل بصراحة: لماذا نشارك؟ وما الذي ننتجه؟ وكيف نحول هذا التمثيل من واجهة ديبلوماسية إلى مشروع ثقافي حيّ، يعبر عن لغتنا وأفكارنا وواقعنا؟