الدمشقي وعزّام.. تمرين مسرحي لتجاوز الماضي

25 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:03 (توقيت القدس)
من العرض (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعود مسرحية "صاج" بعرضين جديدين في منزل أدهم الدمشقي ووالدته شكرية عزّام، حيث تتجاوز المسرحية المفهوم التقليدي للخشبة والجمهور من خلال جلسة "متّة" وعشاء صاج، مستندة إلى أحداث حقيقية من حياة الأم والابن.
- يشكل طقس شرب المتة محوراً رمزياً، حيث تدور الكأس بين الأم والابن، مما يعكس علاقتهما وتصالحهما، ويُقدَّم لكل فرد من الجمهور كأسه الخاص، مما يبرز العلاقة بين الخاص والجماعي.
- يلعب المكان دوراً درامياً، حيث يتحول المنزل إلى خشبة مسرح نابضة، وتولّد الإضاءة الوردية الدفء، مما يعكس التوتر بين الألفة والخوف، ليقدم العرض نموذجاً للفن التصالحي.

بعد أكثر من مئة عرض خلال عامين، تعود مسرحية "صاج" بعرضين عند الثامنة والنصف مساءً من مساء السبت والأحد المقبلين، في قلب منزل أدهم الدمشقي ووالدته شكرية عزّام في حيّ الأشرفية البيروتي. العمل من كتابة وإخراج أدهم نفسه، ويُقدَم بمشاركة والدته، في تجربة مسرحية تتجاوز المفهوم التقليدي للخشبة والجمهور. جلسة "متّة" وعشاء صاج تتحوّل هنا إلى فعل مسرحي، إلى مساحة اعتراف ومكاشفة، يلتقي فيها الخاص بالعام، واليومي بالرمزي.

العرض يستند إلى أحداث حقيقية من حياة الأم والابن، ويدخل في عمق تجارب الموت والحب والحرب والفقد والفقر والجسد. لكنه ينطلق من تفاصيل منزلية يومية: وضع العجين مرقوقاً فوق الصاج، متابعة التلفاز، وتبادل الحديث في المطبخ. هذه التفاصيل الصغيرة تنفتح على أسئلة كبرى، وتتحوّل إلى مادة فنية محتشدة بالانفعال.

في إحدى اللحظات المؤثرة، يضع أدهم السماعات على أذني والدته بينما تنشغل بتحضير المناقيش، ويبدأ قراءة نص من أحد كتبه ليكشف سرّاً ظلّ يخفيه عنها. إحساس خاص بالتلصّص يتسرّب إلى الجمهور، وكأنه شاهد على مكاشفة حميمة بين أم وابنها، ويطلّ على ذاكرتهما من الداخل.

طقس شرب المتة يشكّل محوراً رمزياً داخل العرض. الكأس الواحدة تدور بين الأم والابن فقط، تعكس سرّ علاقتهما ومسار تصالحهما. أما الجمهور، فيُقدَّم لكل فرد منهم كأسه الخاص. هذا الفصل بين الكأس المشتركة والكؤوس الفردية يرسم بوضوح مستويات العلاقة: الخاص، والجماعي الأوسع. الرسالة هنا أن التصالح يبدأ من الداخل، من أقرب الروابط، ثم يمتد ليشمل الآخرين.

شكريّة عزّام تضيف إلى العمل حضوراً أصيلاً. تجربتها الحياتية بكلّ ما تحمله من تعب وكفاح يتجليان في صوتها ونبرتها ولغتها البسيطة. هي المرأة التي عملت لتنقذ أبناءها من الحرمان، والتي واجهت المرض والفقْد بنظرات صامتة من المجتمع، فتقدّم قصتها اليوم بصدق مباشر يجعل الجمهور يتفاعل معها على نحو مكثف. تصفيق الناس يبدّل ذاكرة الألم إلى ذاكرة فخر، ويحوّل المحنة إلى بطولة.

أدهم يواجه هو الآخر اعترافاً جوهرياً: أنه لم يعرف والدته على حقيقتها إلا بعد تقدّم العمر، حين جلس معها ليتحدث بعمق. هذه الجملة المركزية تضع الجمهور أمام سؤال يخص كل واحد منهم: كم نعرف حقاً الأشخاص الذين نعيش معهم العمر كله؟ عندها يتجاوز العرض حدود التجربة الفردية ليصبح تمريناً جماعياً على التصالح مع الماضي.

عرض "صاج" ينتمي إلى ما يمكن تسميته بالفنّ التصالحي

المكان يلعب دوراً درامياً حاسماً. المنزل يتحوّل إلى خشبة مسرح أو بقعة واقع نابضة، والبيت إلى فضاء أداء. الإضاءة الوردية الخافتة تولّد الدفء، لكنها تترك مساحات من العتمة، ما يعكس التوتر بين الألفة والخوف، بين الراحة والذاكرة المثقلة. جلوس شكرية عزّام في موقع "المُضيِّفة" يبرز دورها كأمّ وحافظة للذكريات، فيما يتموضع أدهم بين الاستماع والمشاركة: الابن الذي يتلقّى الطقس، والكاتب الذي يعيد صياغته أدائياً. الطاولة الصغيرة بينهما تتحوّل إلى خشبة مصغّرة، حيث يلتقي الفعل اليومي؛ سكب المتة أو فرد العجين، بالفعل المسرحي أمام الجمهور. أما اللوحات السريالية المعلّقة على الجدران فتنقل المشهد من الألفة المنزلية إلى فضاء رمزي مفتوح، يذكّر بالحرب والموت وثقل اللاوعي.

في الختام، يتحلّق الجميع حول طاولة الصاج للعشاء. هذه اللحظة لا تأتي إضافة شكلية، بل امتداداً طبيعياً للعرض: الجرح الذي سُرد يتحوّل إلى طعام مشترك، والبوح الفردي إلى طقس جماعي.

"صاج" ينتمي إلى ما يمكن تسميته بالفن التصالحي، الذي يسعى إلى تحويل التجارب المؤلمة إلى مساحة للتسامح والصفح والشفاء. العرض يقدّم نموذجاً لذلك: مواجهة الذات بجرأة، مشاركة الألم مع الآخر، وتحويل القصة الشخصية إلى لحظة جماعية يمكن أن يتماهى معها الجميع. الفن عند أدهم الدمشقي فعل شفاء بامتياز، يفتح الباب أمام تحويل السواد إلى ضوء، والحياة اليومية إلى مسرح يضمّنا جميعاً.

وقد عبّر أدهم عن فكرته هذه قائلاً: "مع كل قصيدة كتبتها ومع كل مشهد قدمته، تسلّلت إلى ذاكرتي المليئة بالصمت، ليس لكي أحصر الألم، بل لأطلقه إلى الفضاء، كي يعترف به الآخر، كي يتحوّل صمتي إلى صوت، وذاكرتي إلى جسر للتصالح".

آداب
التحديثات الحية
المساهمون