استمع إلى الملخص
- يتناول الكتاب في فصوله الثلاثة إعادة تشكيل أجهزة الدولة، وتحولات القانون، وإعادة تعريف الرابطة السياسية، مع التركيز على تفتيت الدولة المركزية وتحولها إلى نموذج أكثر تشبيكاً وأقل مركزية.
- يبرز الكتاب دور الدولة في ظل صعود الشركات العابرة للجنسيات، مشيراً إلى ضرورة إدارة التشارك بدلاً من الاحتكار، مع التأكيد على أن أدوات الحكم الكلاسيكية لم تعد تتماشى مع التوازنات الجديدة.
صدر حديثاً عن "الهيئة العامة السورية للكتاب"، ضمن المشروع الوطني للترجمة، كتاب "الدولة ما بعد الحديثة" للباحث الفرنسي جاك شوفالييه، بترجمة محمد عرب صاصيلا. يعالج الباحث مسألة تغيّر الدولة الحديثة تحت ضغط العولمة، وما رافقها من تحوّلات في البُنى الاجتماعية والاقتصادية.
لا يركّز الكتاب على "نهاية الدولة"، بل على إعادة تركيبها في فضاءات جديدة، بعد أن أصبحت محاطة بشبكات من الفاعلين فوق ودون الدولة، أو داخلها. يتناول شوفالييه مسارات تكيّف الدولة مع هذه التحوّلات، ليخلص إلى مقولة مفادها أنّه لم يعد بوسع الدولة، بوصفها شكلاً للتنظيم السياسي، أن تبقى بمنأى عمّا يحرك المجتمعات المعاصرة، إذ تشكّل هذه الحركة، بعمق، بنية الدولة ما بعد الحديثة.
جاء الكتاب في 410 صفحات، توزعت على ثلاثة فصول: إعادة تشكيل أجهزة الدولة، وتحولات القانون، وإعادة تعريف الرابطة السياسية. ويرصد الباحث في الفصل الأول أزمة بنية الدولة من خلال عرض أنموذجها وتعريفاتها. كما يعيد تحديد وظائفها، ثم يعرض تفتيت الدولة المركزية إلى أشكال من السلطات متعددة المراكز، أو مقسَّمة إلى أقاليم، وصولاً إلى الدولة المجزأة. ويبيّن الباحث في هذا السياق انتقال الدولة من نموذج البيروقراطية الموحدة إلى التفكيك الوظيفي، في منظمات شبه حكومية.
أما الفصل الثاني، فيتناول أزمة الحداثة القانونية وما أنتجته العولمة من زعزعة للأسس التقليدية، وتغيير مضمون القانون، بتحويل الدولة من "دولة-وزارة" إلى "دولة-هيئة". وقد ترافق هذا التحوّل مع انتقال القوانين من الصيغ الآمرة إلى الصيغ التنظيمية والتحفيزية. يخلص الباحث إلى نتيجة، أن الدولة اليوم تتحرك ضمن صيغ تعيد توزيع السلطات داخل بنيتها من جهة، وفي ظل حوكمة عالمية متعددة المراكز من جهة أخرى.
في الفصل الثالث، يوضح شوفالييه ملامح النموذج الديمقراطي، ولا سيّما الديمقراطية الليبرالية، مع تحليل عناصر عدم الاستقرار فيها. ويطرح تساؤلات حول مفهوم المواطنة وتوقعات الأفراد من الدولة، في ظل صعود الشركات العابرة للجنسيات التي تصوغ السياسات وفق مصالحها، وتتقاسم مع الدولة إنتاج قواعد السوق وتحديد الأولويات.
يقدّم الكتاب صيغاً متعدّدة لفهم موقع الدولة الجديد، بوصفها دولة متنافِسة تزاحمها سلطات مستقلة وسوقية ومدنية، لتصبح الدولة مضطرة لإدارة التشارك بدلاً من الاحتكار. ووفق شوفالييه، تظهر "الدولة ما بعد الحديثة" أقل مركزية وأكثر تشبيكاً، في مقاربة لا تتبنّى أطروحة "ذبول الدول" التي تبالغ في أثر العولمة، بل تبحث في دينامية تطوّر أدوات الدولة، كي تستطيع الاستمرار على قاعدة أن أدوات الحكم الكلاسيكية، لم تعد تنسجم مع التوازنات الجديدة للمجتمعات المعاصرة.