القائمة الطويلة للبوكر العربية.. روايات وأبطال على هامش التحولات

18 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:03 (توقيت القدس)
ستّ عشرة رواية مرشحة ضمن القائمة الطويلة للجائزة
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعكس القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية لعام 2026 تنوعاً في الرواية العربية المعاصرة، حيث تركز على التجارب الفردية والعوالم الداخلية، مع تراجع السرديات الكبرى والحدث السياسي، وتتناول مواضيع مثل الذاكرة والعزلة.

- تتضمن بعض الروايات تجريباً بنيوياً وتفكيكاً لليقين، مثل "في متاهات الأستاذ ف. ن"، بينما تشتبك أخرى مع التاريخ والسلطة بطرق ملتوية، مما يعكس تنوعاً في الأساليب والمواضيع.

- يواجه المشهد الروائي تحديات نقدية تتعلق بتهميش السرد التقليدي، مع مخاوف من تشابه غير مقصود بين النصوص، رغم أن القائمة تظل مؤشراً على الكتابة الجديرة بالاعتراف.

أضافت القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" لعام 2026، التي أعلنت منذ أيام رقماً جديداً إلى سلسلة القوائم التي تراكمت عبر سنوات الجائزة، وتحوّلت مع الوقت، إلى أكثر من مجرد محطات تنافسية. 

في كل دورة، تبدو القوائم وكأنها تقول شيئاً عن الرواية العربية المعاصرة، من دون أن تفصح عن لغتها الخاصة، فتجمع نصوصاً متباعدة في الأسلوب والرهانات السردية، ثم تترك القرّاء والنقاد أمام مهمة التأويل وحدهم.

من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى القائمة الطويلة لعام 2026 بوصفها مشهداً روائياً لا يجمعه موضوع واحد بقدر ما تجمعه خطوط عامة مشتركة. فالروايات الـ16 المرشحة تميل، في معظمها، إلى الانكفاء على التجربة الفردية والعوالم الداخلية للشخصيات، فيقلّ الاشتباك المباشر مع السرديات الكبرى أو الحدث السياسي بوصفه مركزاً. وتتقدم الذاكرة، والعائلة، والجسد، والعزلة، والغياب، بوصفها محركات أساسية للسرد، فيما يتراجع حضور البطل المركزي لصالح شخصيات هشّة، مترددة، أو واقفة على هامش التحولات.

فمن الذاكرة العائلية المتشظية في "خمس منازل لله وغرفة لجدتي" لمروان الغفوري، إلى العتمات المتراكبة داخل البنية العائلية في "عمة آل مشرق" لأميمة الخميس، ومن العزلة بوصفها تجربة وجودية في "عزلة الكنجرو" عند عبد السلام إبراهيم و"الاختباء في عجلة هامستر" عمل عصام الزيات، إلى الغياب بوصفه أثراً لا يندمل في "غَيبة مي" لنجوى بركات، والقلق اليومي المعلّق في "فوق رأسي سحابة" لدعاء إبراهيم، وأيضاً "الحياة ليست رواية" لعبده وازن، تتوزع الروايات على خرائط داخلية أكثر مما تتحرك في فضاء الحدث الخارجي.

وفي موازاة ذلك، تحضر الأسئلة المعرفية والشكلية بوضوح في أعمال مثل "في متاهات الأستاذ ف. ن" عند عبد المجيد سباطة و"أصل الأنواع" لأحمد عبد اللطيف، حيث يصبح التجريب البنيوي وتفكيك اليقين جزءاً من صلب المعنى، فيما تشتبك روايات أخرى مع التاريخ والسلطة والرمز بطرائق ملتوية وغير تقريرية، كما في "البيرق، هبوب الريح" لشريفة التوبي، وأيضاً "أغالب مجرى النهر" لسعيد خطيبي، و"حبل الجدة طوما" لعبد الوهاب عيساوي و"أيام الفاطمي المقتول" نزار شقرون و"منام القيلولة" لأمين الزاوي. أما "الرائي" لضياء جبيلي و"ماء العروس" لخليل صويلح، فيقعان على تخوم الرؤية واللغة، حيث يتداخل الشاهد بالهلوسة، والجسد بالمكان، ضمن سرد يراهن على الكثافة لا على الاتساع.

تتقدم العائلة والجسد والعزلة بوصفها محركات أساسية للسرد

الذاكرة إذاً تحضر في أكثر من عمل، لا باعتبارها استعادة زمن مضى، بل بوصفها أداة لفهم الحاضر، ويبرز الاغتراب بوصفه حالة وجودية أكثر منها تجربة جغرافية. في "عزلة الكنجرو" تتجسد العزلة في الهجرة والعيش بين هويات معلّقة، بينما تقدّم "الاختباء في عجلة هامستر" عزلة من نوع آخر: عزلة داخل الإيقاع اليومي نفسه، حيث الحركة المستمرة لا تفضي إلى تحوّل حقيقي، بل إلى استنزاف المعنى.

وفي "غَيبة مي"، لا يُروى الاختفاء بوصفه حدثاً، بل بوصفه أثراً ممتداً يطاول اللغة والذاكرة والعلاقات. الغياب هنا ليس فراغاً، بل حضورٌ مؤلمٌ ودائم. ويجد هذا الخط صدى أكثر هدوءاً في "فوق رأسي سحابة"، حيث يتحول القلق غير المرئي إلى حالة نفسية تظلل التجربة اليومية.

تتراجع صورة البطل الفاعل لصالح ذوات مراقِبة أو مترددة. وفي "الرائي" يتحول الراوي إلى شاهد مرتبك، تتداخل رؤيته بين الواقع والهلوسة، بينما تقدّم "في متاهات الأستاذ ف. ن" شخصية تتحول إلى مركز متاهة معرفية وسردية، حيث يصبح اليقين نفسه موضع شك. لا ينفصل ذلك عن الاشتغال على الشكل، حيث تذهب "أصل الأنواع" إلى مزج الفلسفي والعلمي والأسطوري، لا لتقديم أطروحة جاهزة، بل لزعزعة فكرة "الأصل" نفسها وتحويلها إلى سؤال مفتوح.

لا يمكن التعامل مع هذا المشهد بوصفه خيارات بلا كلفة. فثمة اعتراض نقدي مشروع يمكن طرحه: هل أدّى هذا الانحياز إلى الرواية المتأملة والهشّة إلى تهميش أشكال أخرى من السرد؟ في مقابل هذا الحضور الكثيف للذاكرة والذات المنكفئة، يكاد يغيب السرد الذي يغامر بحكايات كبرى، أو يعيد الاعتبار للحبكة والصراع الخارجي بوصفهما أدوات أساسية في إنتاج المعنى. 

قد يُخشى، أيضاً، أن يُنتج هذا المزاج نوعاً من التشابه غير المقصود بين النصوص، حيث تتكرر الثيمات نفسها بأشكال مختلفة، ويغدو الاختلاف مسألة درجات لا رهانات. ومع ذلك، يبقى هذا الاعتراض محكوماً بحدوده، فالقائمة الطويلة لا تدّعي تمثيل كل ما يُكتب، لكنها تظل مؤشراً على ما يُنظر إليه اليوم بوصفه كتابة جديرة بالاعتراف.