استمع إلى الملخص
- تشهد الجزائر تصحراً ثقافياً وضغوطاً رقابية، مثل إغلاق دار "فرانتز فانون"، مما يعكس ممارسات سلطوية تقمع حرية التعبير وتخلط بين حرية التعبير والأمن والهوية الوطنية.
- تُمنع الكتب المخالفة للهوية الوطنية أو الدينية، مما يُعتبر تقييداً للحرّيات الفردية، ويُطالب ببنية تحتية ثقافية ونظام ديمقراطي يضمن حرية الفكر بعيداً عن الخطابات الشعبوية.
كثيراً ما يلوم خطابٌ تنميطي يُروّج له بعض الكُتّاب والمثقّفين القارئَ الجزائري على "تقاعسه" و"انعدام رغبته في قراءة أدب بلده". فيصوِّر لنا هؤلاء "الكاتب" ككائن مجرّد من كلّ العيوب والنقائص، "مُبدع" في شتّى الأحوال، موثوق في "قيمته" الأدبية والجمالية، يجب على الجميع الانبهار به بمجرّد الإعلان عن نفسه "روائياً"، ولكن، من دون أي إشارة إلى هشاشة البنية التحتية الثقافية التي لا يُمكن من دونها للمقروئية أن تزدهر ولا للنقد أن يتبلور.
وفي ظلّ بعض الممارسات السلطوية (الهادفة إلى زرع انعدام الثقة في النفس، والشكّ في الوجود، وتعميم الكآبة والخوف في كافة طبقات المجتمع)، والتصحُّر الثقافي البِنْيَوي الذي يُخيِّم على ساحة الفنّ والفكر في البلد، اشتدّ مؤخراً ضغط الرقابة على دُور النشر والمكتبات والذي تجسّد في الغلق التعسّفي وغير القانوني لدار "فرانتز فانون" لمدّة ستّة أشهر، في 14 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بعدما تمّ وضع مديرها عمار إنغراشن تحت الرقابة القضائية بموجب التهمة في أواخر العام المنصرم.
للوهلة الأولى، يُمكن للقارئ أن يربط تشميع أبواب هذه الدار النشيطة بمسائل متعلقة بالفساد المالي والإداري وأشياء من هذا القبيل، لكن في حقيقة الأمر، تُغلق دُور النشر في الجزائر حين يُقرّر البعض أنه يُمكن لكِتابٍ ما أن يُشكِّل "خطراً على الهوية الوطنية".
تأويل متزمّت لقوانين الدولة يلغي ملكة النقد في الفضاء العام
وبالفعل، أغلقت مصالح ولاية بومرداس (50 كيلومتراً شرق الجزائر العاصمة)، دار "فرانتز فانون" بعد نشرها في عام 2023 كتاب هادية بن ساحلي المعنون "الجزائر اليهودية: ذاتي الأُخرى التي لا أعرفها إلَّا قليلاً"، ما أثار موجة من التعليقات وردود الفعل العدائية الكارهة للنساء، في أوساط تدّعي تمثيل الطبقة المثقّفة من صحافيين وكتاب وسياسيّين، وبلغة مجرّدة من أي حسّ نقدي وجمالي وتحرُّرِي، خالية من روح العدالة والمواطنة، مكبّلة بأغلال الخطاب السلطوي؛ أوساط شديدة المحافظة سياسياً، مسكونة بشبح الدفاع بأفكار عقيمة عن "الهوية الوطنية" و"الديانة الإسلامية" من "سمّ أولاد فرنسا والغرب"؛ أوساط تتّسم بعِدائيَّة عمياء ولامنطقية تجاه الليبيرالية السياسية والثقافية والدينية وحرية التعبير. واتّباعاً لهذا المنطق المتصلّب، تلغي السلطوية الثقافية الأدب وملكة النقد في الفضاء العام استناداً إلى تأويل متزمّت لقوانين الدولة.
وعلى الرغم من أنَّ القانون الجزائري ينُصُّ على أن القضاء وحده قادر على اتّخاذ أي قرار بخصوص محتوى كتاب، وأنه لا توجد أي سلطة إدارية تملك حقّ التدخّل في قضية من شأن القُضاة وحدهم البحث فيها، وأنَّ المادة 118 من قانون العقوبات تمنع تسليط عقوبتين اثنتين للسبب ذاته على المواطن نفسه، لم تحترم مصالح ولاية بومرداس القانون وقرّرت أن كتاب هادية بن ساحلي "يمسّ بالأمن والنظام العام، وبالهوية الوطنية وحامل لخطاب كراهية".
وقد بدأ التحريض ضدّ هذا الكتاب في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 حين مُنعت الكاتبة من إقامة ندوتين في مكتبات "الشيخ" بولاية تيزي وزو، وأُغلقت المكتبة لمدة ثلاثة أيام في مطلع شهر كانون الأول/ ديسمبر 2024، بحجّة عدم وجود ذِكر لنشاط "بيع وتوقيع الكُتب" في سِجِلِّها التجاري، وكذلك مكتبة "شجرة الأقوال" في الجزائر العاصمة، على أثر تحريضات نائب مُنتمٍ لحركة البناء الوطني الإسلامية، وآخرين، ضدّ ما يُطلَق عليه "التطبيع الثقافي" مع دولة الاحتلال والإبادة الجماعية، مع أنَّ التطبيع الفعلي هنا قائم مع تقديس الجهل الذي يدفع بفئة من النُّخب إلى فرض قراءة بوليسية وعِقابية على الثقافة والفكر، مبرّرة بالخوف ومدعومة بممارسة العنف السياسي إزاء كلّ التعبيرات الثقافية والعِلمية التي تُخالف وجهة نظر التوجّه العامّ في البلاد.
خلطٌ بين حرية التعبير والنقاش وبين الأمن والهوية الوطنية
صحيح أنّ تقديم الكتاب كان من طرف الكاتبة الفرنسية الإسرائيلية من أصل جزائري فاليري زيناتي، وصحيح، كذلك، أن مضمون الكتاب يعاني قصوراً معرفيّاً ناتجاً أساساً عن عدم استعمال المصادر المكتوبة بالعربية والعبرية، لكن هل يمكن لسياسيّين ومثقّفين، يدّعون تمثيل الإرث الإنساني والتحرّري للثورة الجزائرية، التماهي مع عسكرة الأفكار بسبب العجز التام عن مناقشة وتقديم نقد بنّاء لكِتاب قُدِّم من طرف مُجنّدة سابقة في جيش الاحتلال الإسرائيلي؟ ما المشروع الفِعلي لِسلطاتنا السياسية والثقافية التي تُمعِن في تصويرنا للعالم كلّه كشعب ضعيف، غير واثق من نفسه، يشكّ في وجوده وخائف من قراءة كُتب غير مُحكَمة على المستوى الفكري والإبستمولوجي؟
للأسف، الهلع الأخلاقي الذي أثاره بعض السياسيين والحملة العِقابية التي شنها فيلق من الصحافيين لمنع هادية بن ساحلي من تقديم كتابها "الجزائر اليهودية" في مكتبات البلاد ممارسة تُشبه ممارسات اليمين واليمين المتطرف في "إسرائيل" وأوروبا وأميركا لمنع كلّ التظاهرات المساندة لفلسطين في ظلّ حالة الحرب التي لا تزال قائمة رغم "الهدنة المؤقّتة". فمرّة أُخرى، تتدخّل البيروقراطية بتصرُّفاتها "المكارثية" الثقافية للخلَط بين نقاش الأفكار وحرية التعبير مع الأمن العام والهوية الوطنية.
فبدلاً من ترك الكُتّاب والأكاديميّين للقيام بدورهم، ألا وهو النقد الممنهج والعقلاني للأفكار والأبحاث والكتب، تقهقرت قُدرات ممثّلي الثقافة في الجزائر "الغيورين على مبادئهم الثورية المساندة للقضايا العادلة في العالم"، على حسب تعبير النائب الإسلامي في الشكوى التي قدّمها لوزيرة الثقافة والفنون، من أجل "تدخل مستعجل" لحظر كتاب هادية بن ساحلي في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، إلى خطابات سوقية يغمرها الضعف والخوف والعنصرية وكراهية النساء الكاتبات من دون مبايعة "أعلام الإبداع" من الرجال، وخاصة الاستلاب الحضاري النافي لإرث الجاحظ والمعرّي والتوحيدي والرازي وموسى ابن ميمون وابن كمونة وغيرهم من منارات الفكر العربي.
ولسوء الحظ، لم تتوقّف الأمور هنا، حيث أقدمت مديرية التجارة لولاية بجاية أيضاً على حظر كتاب "أيام محمد الأخيرة" للأكاديمية التونسية هالة وردي، وسحبه نهائياً من رفوف مكتبة "ڨورايه" بحجّة أنَّ هذا الأخير يمشي على خُطى "غير مطابقة لتعاليم ديننا الحنيف"، ويحوي "أفكاراً مسمومة حول سيرة نبيّنَا الكريم". كيف يمكن أنه في عام 2025 يُمنع بيع كُتب أكاديمية تميّز بين محمد العقيدة، "رسول الله"، ومحمد التاريخ والبحث العِلمي، أي الإنسان الذي عاش في جزيرة العرب والذي لا نعرف عن حياته الكثير، باسم الدين. الشيء الذي يجب التأكيد عليه هنا هو أنَّ من حقّ المواطن الجزائري والفرد بصفة عامة عبر أنحاء العالم أن يكون ملحداً، أو لاأدرياً، أو غير متدينٍ، أو متديناً حنيفاً من دون أي تدخّل للحاكم في أذواقه الأدبية أو العلمية؛ في علاقته مع فهم الذات الإلهية ومفهوم النبوّة في سياقه التاريخي والعقائدي.
أسمع الكثير من العبارات الأورْوِيلية مثل "الجزائر الجديدة" و"ديمقراطيتها الحقيقية"؛ أسمع الكثير من الخطابات الشعبوية المدافعة عن "هوية وطنية" و"قيم دينية" مُقيِّدَة للحرّيات الفردية وفي أولها حرية الاعتقاد والإيمان. لكن، لا أكاد أسمع أي شيء، خاصة من طرف محترفي لوم القارئ "الكسول" في الجزائر، عن الإنسان وحقوق الفرد والمُواطن المطالب بحقّه في امتلاك صوت سياسي يرفض الانصياع الإيديولوجي لتعاليم ثقافات سلطوية مُتكلِّسة.
لا مقروئية من دون بنية تحتية ثقافية تحتضنها، ونظام حُكم ديمقراطي يضمن استمرارية كيانها، وليس على "المثقّف" الناطق باسم الفكر الواحد، السعي وراء مجد زائف يُسمّى "الكاتب الوطني الكبير"، بل ترميم المعنى وتسمية متاهات الواقع المعاش، المتمثّلة بالتضييق على الحرّيات الفردية وتعليق حقوق المواطن تذرُّعاً بالدفاع عن الدين والهوية والوطن بغرض إرساء وتكريس هيمنة مطلقة على العقول والأجساد. أن تُردِّد "لا" في وجه هذا التعسُّف ليس "خيانة وطنية" ولا "كُرهاً للذات"، بل تفعيل لمَبْدأ المواطنة، وبداية للنضال من أجل التعددية السياسية.
* كاتب وصحافي جزائري مقيم في باريس