- يعيد الأدب تصوير الأوبئة التاريخية مثل طاعون أثينا، كما في "يوميات عام الطاعون" لدانيال ديفو، التي تقدم دروساً حول المساواة وتسلط الضوء على الهستيريا الجماعية، مما يعكس أهمية الأدب في توثيق التجارب الإنسانية.
- يكشف أدب الأوبئة عن الاستغلال السياسي والاقتصادي، كما في "نهاية أكتوبر" للورانس رايت، التي تبرز الأزمات الناتجة عن الأوبئة، مما يؤكد دور الأدب في نقد الأوبئة الأخلاقية.
بمجرد انتشار خبره في نطاق محدود ضمن سفينة في البحر، بدأ خيال الكثيرين يرسم سيناريوهات مخيفة حول فيروس هانتا، خصوصاً أن تجربتنا مع كوفيد - 19 لم يمض عليها سوى بضعة أعوام ظهرت خلالها روايات عدة تحثّ البشرية على عدم الاستسلام للخوف والعنف في أوقات الأوبئة، فالجوائح تشبه درساً تاريخياً ربما نتعلم منه فن البقاء، أو الفناء، فكيف يراه الأدب؟
اكتشاف الذات
أسهم التطور المعرفي والثقافي وتقدم الطب ووسائل التواصل ونقل العلاج بين القارات في تقوية مواجهة البشر للجوائح، إلا أن خطر الموت عبر فيروس وبائي ظل مصدر خوف وفوضى، فعادت الروايات المعاصرة لتناول هذه الظاهرة، ومن أبرزها رواية "الإغلاق التام" للكاتب الاسكتلندي بيتر ماي، والتي ظهرت عام 2020 بعد رفض دور النشر لها عام 2005 بحجة أنها غير واقعية، لكن وباء كورونا أسهم في نشرها وشهرتها.
تصور الرواية مظاهر الإغلاق التام وحظر التجوال بعد انتشار إنفلونزا الطيور، وسيطرة القوات المسلحة على الشوارع وارتداء الناس للكمامات، إلى جانب الضغوط التي تواجهها المستشفيات والمؤسسات الطبية، والتنبؤات بانهيارات اقتصادية وانقطاع حركة الطيران، من خلال شخصية محقق يحاول كشف لغز جريمة قتل لتحقيق العدالة، ويعاني في الآن ذاته لأن ابنه يُحتضر بعد إصابته بالوباء، وانطلاقاً من معضلته هذه، يقدم الكاتب شخصيات أخرى مثل القاتل المأجور الذي يستثمر الفوضى لارتكاب جرائمه، مستنداً إلى التفكك وغياب الرقابة وسيطرة الخوف على الناس، وذلك إلى جانب شخصية أخرى، هي العالِمُ الذي يمثل إحدى المؤسسات الطبية، ويستغل الوباء من أجل الربح.
الجوائح تشبه درساً تاريخياً نتعلم منه فن البقاء أو الفناء
تكشف الرواية هشاشة الوجود الإنساني حين يخوض البشر رحلة النجاة بين الأمل واليأس والبحث عن الحقيقة في زمن التضليل والمعلومات المتضاربة، مما يطرح سؤالاً عما إذا كانت النجاة فردية أم جماعية، وهو ما يظهر بوضوح أكبر في رواية "أصدقاء من وطننا" للكاتب الأميركي الروسي غاري شتاينغارت، التي صدرت عام 2021، وأبطالها مجموعة أصدقاء يقضون فترة عزلة في منزل ريفي هرباً من وباء كورونا، لكن سرعان ما تنهار العلاقة بينهم وتنكشف مشاعرهم المخفية تجاه بعضهم البعض بسبب الفراغ ووقت الانتظار الذي يطول، ثم تظهر المعاناة الفردية لكل واحد مع مشكلاته سواء كانت صحية أو نفسية أو مادية، إضافة إلى شعور بالذنب ينتاب بعضهم تجاه من يموتون في المدن، وفي النهاية، يتساءلون عن قيمة وظائفهم وحياتهم ومكانتهم الاجتماعية بعد اكتشافهم أنهم يعيشون حالة من الزيف، ومن ثم يضطرون للاعتراف بالفساد الأخلاقي والضعف والعيوب التي تشكل شخصياتهم، في محاولة أخيرة للتعافي واستعادة قدرتهم على مواجهة الوباء بواقعية من أجل البقاء.
ذاكرة الخوف
يثير الطاعون حتى يومنا هذا رعب البشر رغم أن كثيرين لم يعاصروا انتشاره وآثاره المؤلمة، لكن صورته القوية الماثلة في أذهاننا اليوم، تعود ربما إلى الأدب، الذي حاول الروائيون من خلاله إعادة تصوير الأحداث التاريخية والوقائع الاجتماعية والآثار الاقتصادية أو السياسية التي صاحبت ظهور الأوبئة وقتلها للبشر، كما وصفها المؤرخ والطبيب الإغريقي ثيوسيديدس (430 قبل الميلاد) في توثيقه لطاعون أثينا، إذ قال إنه لم يقتل الأفراد فقط، بل أصاب المجتمع بالفوضى بعد فقدانه الثقة بالقواعد والأخلاقيات التي تنظم الحياة.
يسهم الأدب في زيادة الوعي بالوباء وتقديم رؤية منطقية للأحداث
أصداء الطاعون التي تتردد في الأدب، تتكرر أيضاً في كل موجة عالمية حديثة يقودها وباء معين، إذ أعاد فيروس هانتا الرعب من القوارض والسفن التي تعج بها الروايات والحكايات التي تتحدث عن الأوبئة، فتاريخياً، مات ملايين السكان الأصليين لأميركا بفعل وباء الجدري الذي جلبه الغزاة معهم، كما أن طاعون مرسيليا العظيم (1720)، وصل مع السفينة الفرنسية "غراند سانت أنطوان" القادمة من ميناء صيدا، وجسده الكاتب الإنكليزي دانيال ديفو في روايته "يوميات عام الطاعون".كتب ديفو عن طاعون لندن (1665)، متأثراً بوباء مرسيليا الذي انتشرت أخباره في أنحاء أوروبا، فحاول جعل عمله الأدبي مادة واقعية يمكن للناس من خلالها تحقيق فرص أكبر للنجاة عبر دروس يمكن استكشافها مما كتبه عن مراعاة المساواة في حماية البشر وتوفير العلاج للمرضى الفقراء وللطبقات الاجتماعية الدنيا لا للأغنياء فقط، إضافة إلى إشارته إلى خطر إصابة الأفراد بالهستيريا الجماعية، التي جسدها بمشاهد هروب العائلات والأطباء خوفاً من العدوى وترك مرضاهم للموت، والاستسلام للهلع عبر إجراءات حجر غير إنسانية ولا علمية، وغيرها من أفكار قدمها بأسلوب مؤثر وممتع لم يمنع تكرار هذه الظواهر الاجتماعية التي ترافق الوباء.
الفيروسات تتلف الإنسانية أيضاً
لا يكتفي أدب الأوبئة بقراءة النفس البشرية وربط المتخيل الجمعي بواقع تمثله الجوائح التي قد يراها الإنسان أداة للموت العشوائي، بل يسهم أيضاً في زيادة الوعي وتقديم رؤية منطقية للأحداث وللأسباب الكامنة وراء الاستغلال السياسي والاقتصادي للجوائح، كما في رواية "نهاية أكتوبر" للصحافي والكاتب الأميركي لورانس رايت، الذي يكتب عن خبير أوبئة مهمته احتواء وباء قاتل يبدأ بالانتشار في مخيم للاجئين في إندونيسيا، ثم يكتشف أن أحد المصابين بالفيروس ذهب إلى موسم الحج، مما يدفعه للتعاون مع طبيب سعودي وجِهات عدة في محاولة لإنقاذ العالم.
يفشل خبير الأوبئة هنري بارسونز في إنهاء انتشار الوباء، مما يتسبب لاحقاً بأزمات اقتصادية وسياسية تؤدي إلى صراع دولي وحروب بين القوى العظمى، يكشف الكاتب من خلالها نظرة استشرافية تشاؤمية للواقع، إذ يصور صراعات الدول على العلاجات بدل التعاون فيما بينها، ويبين كيف يمكن للشركات الكبرى التي تتدخل في السلطة السياسية إخفاء المعلومات من أجل الربح دون الاكتراث بموت الملايين.
صدرت هذه الرواية بالتزامن مع انتشار وباء كورونا، ونالت شهرة جعلتها تباع حول العالم حتى اليوم، إذ تميزت باستخلاص تجارب الكتابة عن الوباء منذ "الديكاميرون" لبوكاتشيو و"الطاعون" لألبير كامو، وصولاً إلى رواية "العمى" لخوسيه ساراماغو، وغيرها من أعمال انتقدت الأوبئة الأخلاقية ووضعتها في مرتبة الجوائح التي تجتاح نفوس البشر لا أجسادهم فقط، وتقودهم إلى العنف والتوحش وهدم ما راكموه من منجزات عبر العصور.