باولا كاريدي وشجرة توت في القدس

16 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 05:03 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في "شجرة التوت في القدس"، تستخدم باولا كاريدي أصوات الأشجار لتروي حكاية فلسطين والاحتلال، حيث تصبح الطبيعة مرآة للصراع وذاكرة للأحداث التاريخية.
- الكتاب يبرز مفهوم "الاستعمار النباتي"، حيث تُستخدم الزراعة لتغيير هوية الأرض، مثل غرس غابات صنوبر على أنقاض القرى الفلسطينية، مما يطمس المعالم الطبيعية.
- كاريدي تؤكد أن الصراع في فلسطين ليس دينياً، بل يتعلق بالسيطرة على الأرض وتغيير ملامحها، حيث تصبح الأشجار سجلاً تاريخياً صامتاً يعكس الذاكرة والمقاومة.

في كتابها الجديد "شجرة التوت في القدس" تمسك الكاتبة والصحافية الإيطالية باولا كاريدي بخيط غير مألوف لتروي حكاية فلسطين والاحتلال: ليس عبر شهادات البشر، بل عبر أصوات الأشجار. من التوت البري إلى الزيتون والبرتقال، تغدو الطبيعة حافظةً للذاكرة ومرآةً للصراع.

بدأت فكرة الكتاب، كما توضح الكاتبة في مقدمتها، حين عاينت شجرة توت في شارع بمدينة القدس اعتادت عبوره يومياً، حتى اقتُلعت فجأة. تلك اللحظة غرست في ذهنها ضرورة الاستماع إلى أصوات الطبيعة التي شهدت طمس الهوية والتاريخ. وهكذا؛ وضعت أشجار التوت، والجميز، والنخل، والزيتون، والبرتقال، في قلب السرد، فصارت شاهدة على نكسات الاحتلال ومقاومة الذاكرة.

كاريدي، التي عاشت سنوات طويلة في القدس المحتلة، لم تكتب عن الجغرافيا بوصفها خرائط على الورق، بل بصفتها جسداً حيّاً يتنفس ويتألم. ترى أنَّ الشجرة ليست مجرد نبات، بل هي كائن شاهد، يختزن في جذوره كل ما مرّ على الأرض من نكبات وحروب وتهجير. ومن هنا، تتحول شجرة التوت المقدسية أو برتقال يافا أو جميز غزّة إلى سجلّ تاريخي صامت، لكنه أصدق من كثير من الروايات السياسية.

إحدى الأفكار الجوهرية التي يطرحها الكتاب الصادر عن دار نشر Errata Naturae، هي مفهوم "الاستعمار النباتي"، أي استخدام الزراعة والتشجير أداةً لإعادة تشكيل هوية الأرض. تشير كاريدي إلى أن مشاريع التشجير الإسرائيلية، مثل غرس غابات صنوبر على أنقاض القرى الفلسطينية المدمّرة، لم يكن عملاً بيئياً بريئاً، بل وسيلة لطمس المعالم الطبيعية الفلسطينية وإحلال مشهد جديد يخدم السردية الاستعمارية.

وسيلة لطمس المعالم الطبيعية وإحلال مشهد جديد لسردية الاستعمار 

يخصّص الكتاب فصولاً لتاريخ أنواع محدّدة من الأشجار في فلسطين: الزيتون، الذي يُقتلع لبناء المستوطنات والجدار العازل وليُحرم الفلاح الفلسطيني من مصدر رزقه ورمزه الأقدم للصمود. برتقال يافا، الذي كان علامة تجارية عالمية على الازدهار الفلسطيني، قبل أن يُسجّل في الأسواق العالمية منتجاً "إسرائيلياً". الجميز (السيكومور)، الذي ظلّ لعقود يظلّل شوارع غزّة والساحل، قبل أن يختفي بفعل القصف الإسرائيلي.

تؤكد كاريدي أنّ ما يجري في فلسطين ليس صراعاً دينياً كما يُروَّج، بل هو نزاع جذوره في الأرض، وفي السيطرة على المكان وتغيير ملامحه المادية والرمزية. هذه الفكرة تجد صداها في الوعي الفلسطيني الذي يرى أن الهوية ليست مجرد راية أو خطاب، بل هي أيضاً ترابٌ، وشجر، وذاكرة مكانية.

في الكتاب، تصف كاريدي المشاهد بعين الروائية، لكنّها تدعمها بمراجع تاريخية ووثائق، لتخلق نصاً يجمع بين جماليات الحكي وقوة الشهادة. وكأنّ القارئ يتنقل بين بستان برتقال في يافا وحديقة زيتون في الخليل، وهو يقرأ تاريخاً طويلاً مكتوباً على جذوع الأشجار.

ليس كتاب "شجرة التوت في القدس" مجرد تأمل بيئي، بل هو عمل ثقافي وسياسي بامتياز، يطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا يحدث حين يُسلب المكان من نباته الأصلي؟ هل تفقد الأرض ذاكرتها؟ بالنسبة للكاتبة، الإجابة واضحة: الذاكرة تبقى، لكنها تصبح جرحاً مفتوحاً، يظل يروي الحكاية لمَن يصغي.