بورتسودان.. مشهدٌ ثقافي وُلد من ركام الحرب

28 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 07:08 (توقيت القدس)
من بروفات في مسرح بورتسودان، 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تُقام فعاليات ثقافية متنوعة في بورتسودان، مثل مسرحية "جزيرة السقنقور"، كجزء من أنشطة اتحاد الأدباء والفنانين، للتعبير عن الرغبة في الهروب من الواقع وإعادة بناء البنية التحتية الثقافية.

- بورتسودان تُعتبر مركزاً للإبداع والتفاعل الثقافي، حيث يمتزج إرث قبيلة البجا بالتأثيرات الوافدة، مما يخلق نسيجاً اجتماعياً غنياً، ويشارك الجمهور في المعارض والندوات.

- تتنوع الأنشطة الثقافية بين معارض وندوات وورش تدريبية، بدعم من اتحاد الأدباء والفنانين ومنصات مثل X Zone، مما يعكس إصرار الفنانين على الإبداع رغم التحديات.

على جزيرة نائية يبحث البطل بين حطام المركب، لا ليصلحه بل ليشعل حطبه موقداً، ويبحث عن الحب. تبدو أحداث مسرحية "جزيرة السقنقور" للمخرج السوداني محمود طالب التي عُرضت في اتحاد الأدباء والفنانين ببورتسودان (700 كلم شمال شرق الخرطوم) الخميس الماضي، محاولة للهروب من واقع البلاد أو تخيّل عوالم بديلة للنجاة.

العرض الذي قدّمته مجموعة الرصيف المسرحية ضمن موسمها الحالي، يندرج ضمن أنشطة الاتحاد التي باتت أشبه بورشة مفتوحة، تُقام فيها الأمسيات الشعرية، والمعارض التشكيلية، والعروض الموسيقية والمسرحية، وتتقاطع فيها الأفكار والرؤى بين أجيال وتجارب متباينة من جميع أنحاء السودان.

هذا النشاط المكثّف لم ينبع فقط من الحاجة إلى التعبير، بل من الرغبة في إعادة بناء ما تهدّم في البنية التحتية الثقافية، وفي ترميم الوعي الجمعي أيضا.

تُقام الفعاليات وسط نقص الكهرباء والوقود والاتصال

مع اندلاع الحرب السودانية في 14 إبريل/ نيسان 2023، تحوّلت المدينة الساحلية إلى أكثر من مجرد ملاذ آمن، فالمجتمع البورتسوداني بطبعه المنفتح والمتعدد، استوعب هذه الموجة الجديدة من الإبداع وتفاعل معها، وأصبح الجمهور شريكاً في العملية الإبداعية، يتابع المعارض، ويشارك في الندوات، ويحتفي بالفن والثقافة بوصفها جزءاً أساسياً من حياته اليومية. خاصة أن المدينة شكلت نقطة التقاء للثقافات، حيث امتزج إرث قبيلة البجا التي تسكن مناطق شرق السودان بالتأثيرات الوافدة عبر البحر الأحمر على مدار قرون، مما منحها نسيجاً اجتماعياً غنيّ الألوان.

هذا الموقع الاستراتيجي جعل من بورتسودان مركزاً لقطاعات حديثة ومتنوّعة، من التجارة إلى التعليم والخدمات، ما أنتج نخبةً متعلمةً، كانت دائماً حريصة على المشاركة في الحياة العامة.

في إحدى أمسيات الشهر الماضي، أنصت الناس إلى صوت العود لأحد العازفين في ساحة مركز بورتيف الثقافي المطلّ على البحر. كما اعتاد المركز خلال الفترة الماضية على تنظيم معارض تشكيلية، ومنها معرض "آثار متجددة"، الذي ضمّ لوحات فنانين محليين ونازحين تعبّر عن المدن المهدّمة والوجوه المهاجرة من السودان. إلى جانب ندوات فكرية حول "الحقوق الثقافية" و"الفن في أزمنة الطوارئ"، وورش حول إدارة الفعاليات وصناعة المحتوى الثقافي.

في شارع متفرّع من وسط المدينة يقع اتحاد الأدباء والفنانين، الذي فتح مقرّه للعروض المسرحية والقراءات الشعرية والورش التدريبية، وأطلق مبادرة "ليالي الاتحاد" لإحياء التواصل الثقافي بين النازحين وسكان المدينة، ورغم ضعف التمويل، نجح الاتحاد في تنسيق أنشطة متنوعة، واستقبال فنانين شبّان من مدن الداخل.

على الطرف الآخر من المدينة، تنشط منصة X Zone التي تمثل مختبراً للفنون المعاصرة والموسيقى البديلة، أسّسته مجموعة من الشباب ليكون مساحة عرض للفنانين الذين فقدوا جمهورهم في الخرطوم.

تبثّ المنصة حفلاتها عبر الإنترنت، وصارت نقطة التقاء لجيل جديد من الموسيقيين والتشكيليين الذين يوثّقون للحرب بلغتهم الخاصة: إيقاعات إلكترونية، وأعمال رقمية، ومشاريع بصرية تُعرض على الجدران وفي الشوارع.

وينشط مركز خُلال الثقافي الذي يجمع بين الفنون والمشاريع المجتمعية، إذ أقام العديد من المعارض التشكيلية لعدد من الفنانين النازحين، أمثال مظفر رمضان والمغيرة عبد الباقي.

أما مركز SPACE فقد تحوّل إلى مساحة عمل جماعية للفنانين والباحثين، إذ ينظّم عروضاً سينمائية وورشاً حول كتابة السيناريو والإنتاج، ويُعدّ اليوم من أبرز المساحات تنظيماً في المدينة.

وسط نقص الكهرباء والوقود والاتصال والعديد من الخدمات الأساسية، تُقام ورش رسم في باحات المدارس، وتتحوّل المقاهي إلى مسارح صغيرة. الفنانون هنا لا ينتظرون نهاية الحرب ليبدأوا، إنما يمارسون فعل الحياة وسط ركامها.

المساهمون