استمع إلى الملخص
- أسس أول نادٍ سينمائي في الأرجنتين عام 1929، وكان شغوفاً بالسينما، لكنه انتقد اقتباس الروايات إلى الشاشة، مفضلاً أن تخلق السينما واقعاً جديداً.
- كتب عن الأفلام بعين القارئ، مستخدماً النقد السينمائي كأداة للتدرب على الكتابة، وكتب سيناريوهين مع صديقه أدولفو بيوي كاساريس.
كانت السينما، في نظر الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس صدىً للأدب، تُعيد ترتيب الواقع بخيوط من الظلال، وتُقيمُ متاهةً من الصور، يخرج منها المُشاهد وقد فقد يقين المشاهدة نفسها. ولهذا، لم يكن بورخيس ناقداً سينمائياً بقدر ما كان ناسكاً يتأمل الصور، ويعيد كتابتها في ذهنه، متلمّساً عبر العمى ما يعجز المبصرون عن رؤيته.
لا يمكن الحديث عن علاقة الكاتب الأرجنتيني مع السينما إلا من خلال بوابة الأدب. ذلك أنها لم تكن بالنسبة إليه إلا طريقة للعبور بين العوالم، والعيش في أزمنة لم توجد قط، ولرؤية أماكن لم تطأها قدماه، إلا في الحلم. لم يكن يذهب إلى السينما ليشاهد، بل ليحلم وهو مستيقظ، وليُربك الحدود بين الواقع والوهم، ثم بعد ذلك ليؤلّف الكتب.
لا تتطابق التجربة السينمائية للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس مع تجربة أي شخص آخر؛ ليس فقط بسبب إصابته بالعمى، بل لأنه اشتهر بتكريس نفسه لضبط التفاصيل الدقيقة. فقد قضى الجزء الأكبر من حياته قارئاً انتقائياً، يمنح الآخرين (قرّاءه) الانطباع بأنه "جاسوس أدبي" واسع الاطلاع، أو بأنه المكتبة الهائلة التي تنبع منها وتنتهي إليها الكتب كلّها.
كان بورخيس، حسب أغوستين نيفيرت، من مؤسّسي أوّل نادٍ سينمائي بالأرجنتين، هو نادي سينما "بوينس آيرس" سنة 1929، في وقت كانت البلاد تضم فيه أكثر من ألف قاعة عرض سينمائي. وقد سُئل الكاتب الأرجنتيني في حوار مع أوسفالدو فيراري عام 1984: "يبدو أنك كنت مولعاً بالسينما؟"، فأجاب: "نعم، كنت أحبها حبّاً شديداً، وكنت أذهب إلى السينما مرتين أو ثلاثاً في الأسبوع... وأعتقد أننا (مع بيوي كاساريس) كنا نذهب كثيراً مع سيلفينا أوكامبو (شاعرة وقاصة أرجنتينية وُلدت عام 1903). حتى والداي كانا يحبان السينما كثيراً".
انتقد اقتباس الروايات إلى الشاشة، واعتبرها "براعة المكياج"
وقد بلغ به هذا الشغف أن قال، بحسب ما أورده كتاب "بورخيس - عن السينما" لإدغاردو كوزارينسكي: "أن أدخل إلى قاعة سينما في شارع لافاليه وأجد نفسي (دون مفاجأة كبيرة) في خليج البنغال أو في شارع واباش، يبدو لي أفضل من أن أدخل القاعة نفسها وأجد نفسي (بدهشة) في شارع لافاليه".
السينما لدى بورخيس، لم تكن مجرد أفلام شاهدها وردّد عناوينها في كتاباته، بل كانت تلك الأحلام التي منحته دهشة الانتقال من مكان إلى آخر، خصوصاً أن عماه، الذي تدرّج حتى غدا كلياً في سنّ الخمسين، جعله لا يملك أدنى فكرة عمّا تكون عليه الأمكنة، إلّا من خلال ما يتخيّله، أو ما علق في ذاكرته من صور وروائح. فتكون "المشاهدة"، حينئذ، مجرد ابتكارات مرئية ومبالغات تحويرية شكلية، منسجمة وكثيفة، أو كما يقول بورخيس نفسه إنها "خروج على ما يتفق الجميع على رؤيته".
ولهذا اعترف - ربما درءاً للحرج - بأنه لا يستطيع الإحالة في هذا المجال إلا إلى تجربته الخاصة مع الأصوات والصور والظلال. فهو يرى أنَّ "العمى ليس هو الظلام الذي يتخيّله الناس"، بل هو لحظة كابوسية قاسية، تمثّلت حين أعاقه فقدان البصر عن القراءة والكتابة ومشاهدة الأفلام، فلجأ إلى الحلم، بوصفه آلة لخلق الواقع بكل عناصر الماضي المرتبطة بحياته السابقة. يقول: "الحلم كتابٌ آخر، وليس مجرد صفحات من كتاب آخر، وتضبطه حبكة مختلفة اختلافاً تاماً عمّا ألفناه ونألفه".
شرع بورخيس في عمله ناقداً سينمائياً في ثلاثينيات القرن الماضي، وقال عن تلك المرحلة: "كنتُ أكتب الملاحظات في اليوم التالي للمشاهدة، ذلك أنه دائماً بعد رؤية فيلم، يشعر المرء بالحاجة إلى الحديث عنه. ربّما كنت أكتب بعد أن أتحادث مع الأصدقاء، رجالاً ونساءً".
ويؤكد ذلك أستاذ الفلسفة في جامعة فرساي والمتخصص في نظريات الصورة، فانسان جاك، ومؤلّف كتاب "بورخيس والسينما"، الذي يشير إلى أن بورخيس كان يتردد على القاعات السينمائية أسبوعياً، وكانت علاقته بالسينما جماعية؛ يشاهد الفيلم ثم يتبعه بكتابة نقدية فورية، "من دون نماذج مسبقة في الكتابة السينمائية".
من خلال مقالات بورخيس المترجمة والمعاد إصدارها في المجلد الأول من أعماله الكاملة (غاليمار، 2010)، يرسم فانسان جاك ملامح أذواقه السينمائية، مؤكداً أن بورخيس استغل النقد السينمائي أداةً للتدرب على الكتابة، دون أن يهدف إلى بناء خطاب شامل أو متجانس حول السينما، مشيراً إلى أنَّ صانع المتاهات "لا يكف عن قراءة السينما بوصفها امتداداً ناجحاً أو فاشلاً للأدب".
ويخلص جاك إلى أنَّ بورخيس لا يقدّر من السينما (الهوليوودية) سوى "دقة الإخراج في خدمة منطق سردي منظم"، أي النظام الذي يعيد تفعيل البُنى الكلاسيكية التي فككها الأدب في القرن العشرين. فلقد ظل يبحث في كل كتاباته عن معادلات منطقية للوضعيات غير المحتملة. ولعل هذا ما جعله يقول ساخراً إن جميع الأفلام المقتبسة من الروايات "مجرد حماقات، وبراهين حقيقية على براعة القائمين على أعمال الماكياج".
كان يشاهد الأفلام ثم يكتب عنها بعين القارئ لا المتفرّج
ويُميّز بورخيس بين الأدب والسينما في "محاورات بوينس آيرس مع إرنستو ساباتو" (أدار الحوار أورلاندو بارون). فعندما طُلب منه تحويل قصة "الميت" (من كتاب الألف) إلى فيلم سينمائي، نصح المنتجين، قائلاً: "الأدب شيء والسينما شيء آخر، ويتعيّن عليهم ألّا يتمسكوا بالنص حرفياً. كما أكدت لهم هذه النقطة بالذات: اعتماد القصة منطلقاً لا أكثر، وترك المخيلة حرة بعد ذلك، كي تحلّق في دنيا الإبداع كما تشاء".
ورغم أن بورخيس لا يقدّم نفسه بوصفه ناقداً سينمائياً محترفاً، إلا أنه لا يستطيع فصل مشاهداته السينمائية عن عالمه كاتباً. فكتاباته حول الأفلام تركز على الموضوعات التي تكررت في أعماله الأدبية. فالسينما لديه مثل الأحلام، أكثر حيوية وكثافة مما هو في الواقع، وهي أيضاً لقاء خاص مع الأيقونات والعلامات البصرية.
وكتب إدغاردو كوزارينسكي دراسات نقدية قصيرة عن الأفلام الثمانية التي شارك فيها بورخيس أو اقتُبست من قصصه، وتتضمّن القائمة أسماءً مثل: تشارلي شابلن، وكينغ فيدور، وجون فورد، وهيتشكوك، ستيرنبرغ (الذي صرّح بورخيس بأنه أثّر كثيراً في أعماله)، وويليام وايلر، ومارسيل ليربيي. ويقول كوزارينسكي إن كتابات بورخيس حول السينما تتّسم بالمرح والسخرية، وتخلو من أي تعالٍ ثقافي، إذ يرى أننا في السينما "قراء السيدة دِلي" (كاتبة فرنسية رومانسية اعتُبرت تافهة). ولا تنتمي هذه الكتابات إلى أي مدرسة نقدية، وأقصى ما تقدمه هو إظهار ولع بورخيس بالسرد، وبوسائل الحكي التي يعتمدها الفيلم لتركيب شكل من أشكال "التاريخ المصوَّر".
جدير بالذكر أن بورخيس كتب سيناريوهين نُشرا في كتاب عام 1955 مع صديقه المقرّب أدولفو بيوي كاساريس، المولع بالسينما، وصاحب رواية "اختراع موريل" (1940)، التي ألهمت العديد من الأعمال السينمائية.
* كاتب وشاعر من المغرب