بين الصورة والنفوذ.. إبستين في أرشيف كريستوفر أندرسون
- تبرز جلسة تصوير عام 2015 مع جيفري إبستين كمحطة حساسة، حيث أبدى إبستين اهتماماً غير معتاد بمصير الصور وعرض دفع مبلغ كبير لحقوقها، مما أدى إلى ضغوط وتهديدات لاسترجاع الملفات.
- "الفهرس" يُقدّم كأرشيف بصري مجزأ يعكس تجربة أندرسون بين التوثيق الصحافي والاشتغال الفني، بينما تأتي تفاصيل الضغوط من إبستين عبر مقابلات وتغطيات إعلامية.
في كتابه "الفهرس" (Index)، الصادر عن دار ستانلي/باركر (Stanley/Barker) في إبريل/نيسان الجاري، يعيد المصوّر الكندي كريستوفر أندرسون بناء أرشيفٍ بصري يمتد على نحو ثلاثة عقود، يجمع فيه بين صور مناطق النزاع والبورتريهات السياسية ومشاهد الحياة اليومية، في مقاربة تُقدّم الصورة باعتبارها وثيقة زمنية تتعدى كونها مجرد أثر جمالي. ضمن هذا السياق، تبرز جلسة تصوير أجراها عام 2015 مع المموّل الأميركي جيفري إبستين باعتبارها إحدى أكثر المحطات حساسية في أرشيفه، وتعد من الأعمال النادرة نسبياً داخل الكتاب مقارنة ببقية البورتريهات، وفق ما أعاد تداوله صدور الكتاب وما رافقه من مقابلات صحافية، الأسبوع الجاري.
تستند الوقائع الأساسية لهذه الجلسة، بحسب ما يورده أندرسون في مقابلاته الصحافية، إلى تكليف من مجلة نيويورك، لإنجاز بورتريه فوتوغرافي لإبستين ضمن مادةٍ كان ينجزها الكاتب مايكل وولف، في إطار ملف صحافي أوسع يشتغل على شخصيات نافذة وجدلية. ويؤكد أندرسون أنه دخل المهمة من دون معرفةٍ مسبقة بخلفية إبستين الجنائية، مكتفياً بانطباع عام عن شبكة نفوذه وعلاقاته.
خلال التصوير، يروي أندرسون في هذه المقابلات أن إبستين أبدى اهتماماً غير معتاد بمصير الصور، وعرض دفع مبلغٍ مالي كبير لامتلاك حقوقها بعد النشر، في ممارسة تُعد غير شائعة في السياقات التحريرية للصحافة، وهو عرض جرى التنسيق بشأنه مع المجلة. غير أن هذا المسار لم يُفضِ إلى نشر المادة لاحقاً، إذ تعثّر المشروع الصحافي وتوقف من دون أن يكتمل، لأسباب تحريرية غير مفصلة بالكامل، وفق ما تفيده التقارير التي استندت إلى رواية المصوّر.
إبستين أبدى اهتماماً غير معتاد بمصير الصور، وعرض دفع المال لامتلاك حقوقها
وفي مرحلة لاحقة، وبحسب المصدر نفسه (مقابلات أندرسون)، تراجع إبستين وبدأ يطالب باستعادة الصور، قبل أن تتصاعد الضغوط عبر سلسلة اتصالاتٍ انتهت بإرسال شخص إلى استوديو المصوّر لاسترجاع الملفات الأصلية، بعد أسابيع من انتهاء التصوير وتعثر المشروع، بشكل "تهديدي". وتُقدَّم هذه الواقعة في جميع التقارير باعتبارها روايةً صادرة عن أندرسون، من دون وجود توثيق مستقل لها خارج شهادته.
لاحقاً، يشير أندرسون إلى أنه عثر على نسخٍ من تلك الصور محفوظة على قرصٍ صلب قديم، ما أتاح إدراجها ضمن مشروعه الأرشيفي في "الفهرس"، حيث تظهر باعتبارها جزءاً من مسار بصريٍّ واسع، من دون سياق تحريري مباشر يرافقها داخل العمل.
ويقدَّم كتاب "الفهرس" في صيغة أرشيف بصري مُجزّأ، يقوم على تجميع أحد عشر مشروعاً فوتوغرافياً مستقلاً عن مسيرة أندرسون، بحيث يُخصَّص لكل محور جغرافي أو موضوعي مجلدٌ خاص داخل العمل. وبهذا البناء، يتعامل الكتاب مع التجربة المصوّرة باعتبارها طبقات متجاورة من الزمن، تشير إلى طبيعة اشتغال أندرسون بين التوثيق الصحافي والاشتغال الفني على الصورة.
ويستند المشروع، في بنيته التصميمية، إلى فكرة "المكتبة البصرية" التي تعيد توزيع الأعمال ضمن وحدات منفصلة داخل علبة خاصة، تسمح بالانتقال بين سياقات مختلفة من الحرب والمنفى والحياة الشخصية والبورتريه.
ما يتضمنه كتاب "الفهرس" يقتصر على عرض الصور ضمن سياقٍ أرشيفي، بينما تأتي تفاصيل الضغط، التي مورست من جهة إبستين ومحاولة استعادة المواد، من خارج الكتاب، تحديداً من مقابلات أندرسون والتغطيات الإعلامية المرافقة لإصداره الجديد، التي تضع القصة داخل إطار أوسع يتعلق بشبكات النفوذ المحيطة بإبستين.
ويمتد الكتاب، وفق مادته المنشورة على موقع دار النشر، إلى أرشيف أوسع يشمل أعمالاً من هايتي في أواخر التسعينيات، حين وثّق محاولات هجرة بحرية خطرة على متن قارب، إضافة إلى تغطيات لمناطق نزاع في أفغانستان والعراق وغزة ولبنان، إلى جانب بورتريهات لشخصياتٍ عامة في الولايات المتحدة، في مشروع يسعى إلى إعادة ترتيب الذاكرة المهنية للمصوّر بصرياً.