تاريخ سكك حديد مصر.. هندسة الحياة الاجتماعية في القرن الـ19

09 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 07:09 (توقيت القدس)
الموقع الإلكتروني لدار النشر (تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في عام 1858، غرق الأمير أحمد في النيل، مما يعكس المخاطر المرتبطة بمشروع تحديث السكك الحديدية في مصر، الذي بدأ بعد عامين من تدشين خط القاهرة-الإسكندرية.
- يوضح الكتاب أن إنشاء السكك الحديدية في مصر كان جزءاً من الحسابات الإمبراطورية البريطانية لتسهيل النقل بين إنجلترا ومستعمراتها، حيث أشرف المهندس روبرت ستيفنسن على المشروع باستخدام الأيدي العاملة المحلية بنظام السخرة.
- كانت مصر ثاني دولة تستخدم السكك الحديدية بعد إنجلترا، مما أعاد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية وأدخل المجتمع في "الحداثة اليومية".

في عام 1858 كان اثنان من أبناء محمد علي على متن قطار متجه إلى القاهرة: الأمير أحمد، أحد أبناء الأسرة الحاكمة وحامل آمال الوراثة آنذاك، وأخوه الأصغر الأمير حليم، الابن الرابع لمحمد علي. حين لاحظ حليم، متأخراً، أن الجسر المعلّق فوق النهر لم يكن في مكانه، قفز في النيل وجرى إنقاذه، بينما بقي الأمير أحمد وحاشيته في العربة ليغرق الجميع.

في كتابه "تاريخ سكك حديد مصر"، (المركز القومي للترجمة، 2025)، يورد الباحث البلجيكي ليونيل فينير هذه الحادثة بوصفها واقعة كاشفة للوجه المركّب لمشروع التحديث الذي أدخل مصر إلى عصر السكك الحديدية، حيث ترافقت الطموحات الكبرى مع المخاطر والتضحيات. وقد جاءت الواقعة بعد عامين فقط من تدشين أول خط يربط القاهرة بالإسكندرية، في لحظة كانت البلاد فيها تدخل زمن السرعة على نحو فجائي وقاسٍ.

وفي هذا السياق، يذهب الكتاب الذي نقله للعربية حسن نصر الدين، إلى أن المصالح المصرية لم تكن الدافع الأساسي وراء إنشاء خطوط القطارات في منتصف القرن التاسع عشر. فالموقع الجغرافي للبلاد، بوصفها حلقة وصل على طريق الهند، جعلها جزءاً من الحسابات الإمبراطورية البريطانية. ويشير فينير إلى أن المشروعات الأولى استهدفت بالأساس إنشاء خطوط تمتد من الإسكندرية إلى موانئ البحر الأحمر، بما يسمح باختصار زمن الرحلة بين إنجلترا ومستعمراتها في الهند وتقليل كلفة النقل.

دُشّنت القطارات في مصر ضمن سياق الصراع بين إنكلترا وفرنسا

في عام 1851 كلّف عباس باشا، حاكم مصر آنذاك، المهندس الإنكليزي روبرت ستيفنسن بالإشراف على تشييد خط السكك الحديدية الممتد من الإسكندرية إلى القاهرة ثم السويس. ووقّع ستيفنسن عقداً لمدة عامين مقابل 55 ألف جنيه إسترليني، تعهّد بموجبه بإحضار الفنيين الأجانب، مع الاعتماد على الأيدي العاملة المحلية التي وُضعت تحت تصرّفه عبر نظام السُّخرة، حيث كان الضباط المصريون يسوقون العمّال إلى مواقع العمل. وبينما بدا القرار في ظاهره مبادرة سيادية، فإنه كان مندمجاً عملياً في شبكة المصالح البريطانية الأوسع. ويكشف فينير، اعتماداً على وثائق أصلية، كيف أن هذا المشروع الذي قُدِّم بوصفه علامة على التحديث، قام في الواقع على كلفة بشرية باهظة دفعتها آلاف الأيدي العاملة المصرية.

يتتبع الكتاب المراحل التاريخية لتدشين خطوط القطارات في مصر، واضعاً إياها ضمن سياق الصراع الإمبريالي بين إنكلترا وفرنسا. فبينما حصلت الشركات الفرنسية على امتياز حفر قناة السويس، استأثرت بريطانيا بتأسيس شبكة السكك الحديدية، بوصفها أداة أكثر سرعة وفاعلية في نقل التجارة والبضائع بين أوروبا ومستعمراتها في الهند وجنوب آسيا.

مصر -القسم الثقافي
رسم لفنان الكاريكاتير المصري أحمد طوغان (أتيليه القاهرة)

ويشير فينير إلى أن مصر كانت ثاني دولة في العالم تستخدم السكك الحديدية بعد إنكلترا، وهو ترتيب لا يعكس تقدماً صناعياً بقدر ما يعكس الموقع الاستراتيجي للبلاد، ضمن طرق التجارة الإمبراطورية، إذ بدأ التشغيل الفعلي عام 1854 بتسيير أول قاطرة على خط يربط القاهرة بمدينة كفر الزيات، إحدى مدن وسط دلتا النيل، قبل أن يمتد بعد عامين إلى الإسكندرية، ثم إلى البحر الأحمر. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد السكك الحديدية مجرد وسيلة نقل، بل عنصراً مؤثراً في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

وعبر نحو أربعمئة صفحة مدعومة بالخرائط والصور والوثائق، يرصد الكتاب كيف تغيّر إدراك السكان للزمن والمكان، وكيف تحوّلت القاطرة إلى عنصر بنيوي في تشكّل المدينة الحديثة. فالمسافة بين القاهرة والإسكندرية، التي كانت تُقطع في أيام، صارت لا تستغرق سوى ساعات، بينما تحوّلت المحطات الجديدة إلى نقاط جذب عمراني، نشأت حولها الأسواق والورش ومساكن العمّال والمقاهي والمخازن.

ويوضح فينير أن التمدد العمراني في القاهرة والإسكندرية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم يكن نتيجة النمو السكاني وحده، بل انعكاساً لتحوّل أنماط الحركة، فحيثما وُجدت محطة، تغيّرت وظيفة المكان، وتشكّل مجتمع صغير يدور حول إيقاع القطارات.

ولأن فينير جمع بين الهندسة والتاريخ، فقد نظر إلى القطار بوصفه أكثر من آلة ميكانيكية، متأملاً أثره في تشكّل مفاهيم الوقت والانضباط والعمل. فالسفر لم يعد امتيازاً للنخب وحدها، بل تجربة متاحة لعمّال الورش والطلاب والتجار، ما غيّر عملياً من طبيعة الحياة، وأدخل المجتمع في ما يمكن وصفه بـ "الحداثة اليومية"، كما يقول المؤلف، أي انتظام الزمن، ودقة المواعيد، واتساع المجال الاجتماعي.

The website encountered an unexpected error. Please try again later.