تقلب الليل والنهار في صيف الرواية العربية

15 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 03:06 (توقيت القدس)
عمل لـ جورج بيير سورا، 1884 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- استكشاف الصيف في الأدب العربي: تتناول روايات مثل "صيف سويسري" لإنعام كجه جي و"صيف أرملة صاروفيم" لمازن حيدر، الصيف كمدخل للتأمل في التحولات الاجتماعية والسياسية، حيث يُستخدم كإطار زمني لاستكشاف قضايا مثل الحرب وسرقة الآثار.

- الصيف كعنصر درامي: في رواية "صيف مع العدوّ" لشهلا العجيلي، يُستخدم الصيف لتوثيق حياة ثلاث نساء وتأمل آثار الحرب السورية، بينما في أعمال إحسان عبد القدوس، يُعتبر الصيف فاعلاً درامياً يؤثر على الشخصيات ويبرر اختياراتها.

- التنوع في معالجة الصيف: رغم الاحتفاء بالصيف في الأدب العربي، يبقى السؤال حول مدى حضور "صيف الأجساد" مقارنة بـ"صيف الأفكار"، حيث يُستخدم الصيف كعلامة عامة دون خصوصية في بعض الأعمال.

لا يأتي الصيف مُحايداً، هو موسم وفرصة لقراءة تحوّلات تسم الأجساد والأرواح من حولنا، والتي تنسحب بطبيعة الحال على الكتابة والأفكار أيضاً، وتفرض قدرها عليهما. نتنبّه إلى ذلك ونحن نقرأ رواية صدرت حديثاً بعنوان "صيف سويسري" (منشورات تكوين، الكويت، ودار الرافدين، بغداد، 2024)، حيث تدخل كاتبتها، الروائية العراقية إنعام كجه جي، إلى عوالم الصيف من باب الإجازة (التقاعُدية المديدة)، في محاولة لتشافي شخصياتها من رحلة أيديولوجية عقيمة، بأسلوب يحضر فيه مزيجٌ من التخفُّف والسخرية. 

الصيف عند كجه جي مدخل للتأمّل في أحوال بلدها، والحال كذلك أيضاً عند الروائي اللبناني مازن حيدر، الذي يعود بروايته "صيف أرملة صاروفيم" (نوفل-هاشيت أنطوان، بيروت، 2025) إلى الأعوام الأخيرة من الحرب الأهلية اللبنانية، تحديداً إلى صيف 1989، مسلّطاً الضوء على قضية سرقة الآثار في زمن الحرب. لكن مفردة "الصيف" هنا لا تكشف عن علاقة خاصة، أو طقس من طقوس هذا الفصل الحميمة، إنها مجرّد تحديد زمني، واستعارة سريعة في خدمة موضوع أكبر. 

صيف إحسان عبد القدوس فاعل مؤثر بالشخصيات لا مجرد خلفية محايدة

وفي سياق هاتين التجربتين العراقية واللبنانية نفسهما، قدّمت الروائية شهلا العجيلي مساهَمة سورية تأمّلية وسيرية في روايتها "صيف مع العدوّ" (منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف، الجزائر، 2018). الصيف هُنا لاهبٌ جَدّي، نعبر من خلاله إلى توثيق سيرة ثلاث نساء من أجيال مختلفة: الجدّة كرمة، والابنة نجوى، والحفيدة لميس "لولو"، وكذلك إلى تأمُّل سنوات الحرب في سورية وما خلّفته. 

على أهمية هذا النوع من التجارب السردية الاجتماعية، إلّا أننا نتساءل إن كان لـ"صيف الأجساد"، لا صيف الأفكار، الحضور ذاته في مشهدنا الأدبي الراهن، رغم أنّ الكتابة العربية بِشعرها وسردها، وحتى ثقافتها الشعبية احتفت بالصيف، إذ يكفي أن نستذكر، على سبيل المثال، أجواء روايات نجيب محفوظ وحنا مينه، لنقع على الكثير منها، سوى ذلك سيتحوّل فصلُ الصيف في ذاته إلى علامة عامّة لا تَشي بشيء من الخصوصية.

في مجموعته القصصية "البنات والصيف" التي صدرت عام 1958، طرَق الكاتب والروائي المصري الراحل إحسان عبد القدوس باب الصيف، وسرعان ما تحوّل بعضٌ من المجموعة إلى فيلم سينمائي بعد ذلك التاريخ بعامين. قصصٌ تحكي عن العلاقات العابرة المشحونة بالعواطف، وإنْ شابَ لغتها الكثير من الابتذال، الإطار الذي لم يتجنّبه عبد القدوس في كتاباته. بعيداً عن الحبكات المعقّدة، يقارب الكاتب في أسلوبه أجواءَ الصيف الشاطئية، أو بالأحرى صيف المدينة والأفراد، لا صيف الريف والجماعات (لا ننسى أنّ الأهازيج الفلاحية التي تتغنّى بـ"خَير الصيف" لدينا منها متنٌ عريض، وقطعاً ليست هي النموذج الأمثل في هذا السياق). الصيف هنا ليس خلفية محايدة، بل فاعلٌ درامي يهيّئ المزاج العام للشخصيات، ويُبرّر اختياراتها.

المساهمون