"حكايةُ جدار" ناصر أبو سرور.. رحلة أسير في زنزانته

02 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:03 (توقيت القدس)
حكاية جدار (تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- ناصر أبو سرور يروي في "حكاية جدار" تجربته من مخيم "عايدة" إلى سجون الاحتلال، حيث يتشكل وعيه السياسي والفلسفي، ويصبح الجدار رمزًا لاستعادة الذات.
- الرواية تبرز صراع أبو سرور مع القمع، حيث يحول الجدار في زنزانته إلى مساحة لتدوين أحلامه، مما يعكس قوة الكتابة في مواجهة محاولات الاحتلال لمحو إرادته.
- تسلط الرواية الضوء على معاناة الأسرى الفلسطينيين، وتنتقد الانقسام الفلسطيني، حاملة لغة شعرية تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني وهويته.

خرج الفلسطيني ناصر أبو سرور إلى الضوء بعد اثنين وثلاثين عاماً من الأسر. الأسير الذي خطّ على جدار زنزانته جملة "وداعاً يا دنيا"، يعود اليوم شاهداً وكاتباً يحمل تجربته على صفحات روايته "حكاية جدار" الفائزة مؤخراً بجائزة "الأدب العربي" لعام 2025، من خلال ترجمتها الفرنسية، والتي تتناول حكايته من طفولة مكبلة في المخيم إلى دهاليز سجون الاحتلال، مروراً بولادة وعي سياسي وفلسفي تشكل بين الحلم والقيد. وفي عمق هذا الوعي، يتجلّى صراع الإنسان مع القمع، ومع ذاكرة لا تهدأ وأسئلة لا تنطفئ، إذ يتحول الجدار من حاجز خانق إلى مساحة لتجسيد المعنى واستعادة الذات.

من الهامش إلى الزنزانة

في الرواية المكوّنة من قسمين (دار الآداب، 2022)، يحتل الراوي المساحة الأساس، ويفرض أسلوباً عميقاً ومليئاً بالتفاصيل في سرد الحكاية، إذ يصبح محوراً للأفكار والأحداث التي ظل بطلها زمناً طويلاً على الهامش، تُقصيه مختلف أنواع القيود التي اختبرها على أرض الواقع، والتي تتطلّب كمّاً كبيراً من الشجاعة لنقلها إلى صفحات كتاب. 

يبدأ ناصر أبو سرور بالإشارة إلى مَواطنِ الوعي التي اكتشفها خلال أعوام حياته الأولى، وأولها انتقاله إلى مخيم "عايدة" في مدينة بيت لحم، طفلاً يحتاج إلى الانطلاق إلى العالم والمستقبل، لكنه يكتشف أن للمخيم حدوداً يسيّجها الفقر وعجز الناس عن تجاوز عتباته إلى المدينة الواسعة، فحياتهم غير تلك التي يملكها الآخرون، لأن الحدود محاطة بأحلام الماضي، أما الزمن، فيتوقف عند لحظة النزوح.

يكتشف بطل الرواية في أمه وأبيه والناس المحيطين به حنينهم إلى العودة، ويفهم أن عقارب الساعة ثابتة على لحظات لن تعود، حيث الماضي أجمل من الحاضر، وسط أجواء من العجز، لأن الآخرين حوله يؤمنون بأن الذي لا حاضر له، لا مستقبل له. وهكذا، يحاول الطفل فهم سر الجدار الذي يراه لأول مرة، ويختبر القفز عنه، لاكتشاف إذا ما كان يكمن خلفه عالم آخر، يسير فيه الزمن بصورة طبيعية. 

الشعور بالاغتراب والانسلاخ عن هوية غامضة مفقودة، يعبر عنها الناس بحزنهم وذكرياتهم، عزّز شعوره بالتخلي عما يحب، لأجل الصمود في مواجهة قيود متنوعة بدأت تكبل أحلامه وآماله، منها ما يتعلق بتركيبة مجتمعه وعاداته وتقاليده، إذ رأى نفسه مثقلاً بقيود العائلة والثقافة المحيطة، ومنها ما أصبح مرتبطاً بالوطن الذي أدرك مرارة وقوعه تحت الاحتلال خلال انتفاضة عام ألف وتسعمئة وسبعة وثمانين، مما زاد ارتفاع الجدار الذي يحتاج البطل إلى تجاوزه من أجل تحطيم قيوده، واكتشاف ذاته.

يرى بعينه نضالات شعبه وينخرط فيها، ليصبح كما باقي الفلسطينيين، متعلقاً بمصير وطنه، فالحزن والفرح والصدق والكذب، ترتبط جميعها بفكرة التحرر من القمع وسلب الأرض والتنكيل بأصحابها، لكنه يدرك لحظة اكتشافه "جيل الحجارة"، أن ما يحصل على أرض الوطن، ليس هو ذاته ما يحصل في باقي العالم، الذي ينظر إلى قضيته على أنها مسألة قابلة للمساومة والنقاش وتغيير الحقائق. 

يرفض سردية المحقق، ويحوّل الجدار إلى مساحة يسجّل عليها أحلامه

هذا كلّه، يقوده إلى الانخراط في النضال، رافضاً الإجابات الجاهزة التي يحملها بعض ممثلي قضيته فلسطينيين وعرباً وآخرين من العالم، متمرّداً على هامشية دوره في تقرير مصيره، لكن السجن يكون في انتظاره، ليبدأ رحلة جديدة، حيث ضيق المكان وانعدام الحرية، والنافذة الوحيدة التي يتخيّلها في عقله، ويفتحها رغم الجدران على أسئلة الوجود والفلسفة والقوى التي يمكن أن يمتلكها الإنسان، من أجل حماية إنسانيته من الزوال. 

وعي تحميه المقاومة

يستعين البطل بالمعرفة والقراءة، بمقولات الفلاسفة وقدراتهم على ابتكار الأمل والأسئلة من رحم الألم، ورغم إنهاك التعذيب وسطوة المحقق الذي يحاول أن يمحو المستقبل من عقل سجينه وقلبه، إلا أن الأسير يدرك تماماً أن المحقّق يحاول أن يحاسبه ليس على اللحظة الحالية فقط، بل يريد أن يفهم أفكاره ورؤيته للمستقبل، حتى يعيد تشكيله عبر عصاه وسوطه، ليفرض عليه نهاية لا يمكن تغييرها. 

يدفع هذا بطل الرواية إلى العودة للجدار مرة أخرى، ويكون هذه المرة حائطاً في زنزانة ضيقة، أو غرفة لا يدخلها الضوء والهواء. وحتى يرفض سردية المحقق، يحوّل الجدار إلى مساحة ورقية كبيرة، يسجل عليها بأي وسيلة أحلامه وبعضاً من تخيلاته ومناجاته مع نفسه. إن فعل الكتابة هنا، بما يحمله من قوى تجعل الإنسان قادراً على توليد الأحلام والآمال ونسج رؤيته الخاصة ككاتب يقرأ الماضي ويستشرف المستقبل، تكسر سلطة الاحتلال وسيطرته التي يحاول بها محو إرادة الأسير، وتحويله إلى شخص لا فرق لديه بين الموت والحياة، ولا بين الوطن والسجن. 

يفتح جدران زنزانته على أسئلة الوجود والفلسفة لحماية إنسانيته 

يضيء المؤلف جانباً خاصاً من عمق تجربته في هذا السياق، فأول ما يواجهه بعد أن ينال حكماً ظالماً بالمؤبد، هو تلك الرائحة التي تعلق بالسجن ولا تفارقه، والتي يصفها بأنها لا تزول، فلا النظافة الشخصية ولا نظافة المكان المحيط به ولا أي إجراء آخر، يمكن له أن يبعد هذه الرائحة النتنة، التي ربما تعد رمزاً لليأس الذي يحاول الاحتلال الإسرائيلي فرضه على السجناء. 

مواجهة ضد سرقة الذات

لا يواجه الأسير اليأس الكامن في السجن فقط، بل يحارب من أجل الثبات وحوشاً أخرى بعد أن يجرده الوعي من الخطابات الكاذبة والوعود التي لا تصدق، والاتفاقيات السياسية التي تتجاوز بتفاهماتها أصحاب الأرض من أجل تحقيق السلام على الورق فقط، إضافة إلى ما يشكله السجن من جدار كبير، يحجز بين الإنسان وحريته، وحياته التي تتضمّن طموحاته وعلاقاته ومشاعره وحقه في خوض التجارب واحتمالات الفشل والنجاح. 

لم يحصل هذا كله في سجن واحد، بل يتنقل أبو سرور في مشاهده من سجن الرملة إلى عسقلان إلى جنيد، وبئر السبع ونفحة، وصولاً إلى سجن هداريم. في كل واحد منها خاض مع زملائه الإضرابات، واحتجّ بجرأة على إجراءات الاحتلال القمعية التي لم يكن لها أي سبب في كثير من الحالات، والتي تطاول الأسيرات النساء أيضاً، والأسرى الأطفال، الذين يشكلون معاً جزءاً من قصة الأرض والإنسان في فلسطين، ووجهاً آخر للعائلة الفلسطينية التي تقاوم بمختلف أفرادها من أجل حقها في الحرية. 

يكشف المؤلف أيضاً مدى خوف الاحتلال من مشاعر الحرية التي تعبر عنها الشعوب العربية من حوله، فإن قامت حرب في المنطقة، يتعرض الأسرى للتنكيل، وإن قامت انتفاضة أو شهد العالم العربي انتفاضات بعد بداية الربيع في تونس وصولاً إلى سورية، يصبح الأسير هدفاً للقمع الذي ربما يصل إلى القتل، ما يحيل إلى أن كل محاولة للمطالبة بالحرية، تصبح خطراً بنظر أصحاب القوة الذين لا تحميهم قواهم من الخوف، النابع من معرفتهم أن وجودهم غير شرعي مهما حاولوا تبريره. 

تحمل الرواية لغة شعرية تتدفّق بعمق، وحواراً داخلياً يقود القارئ للشعور بأنه يجلس قرب الراوي في حديث مطوّل، الذي يسرد قصة أسير فلسطيني أسقط المسلمات السياسية والاجتماعية والثقافية، واضعاً رموزه الوطنية في خانة المساءلة، ومنتقداً الانقسام الفلسطيني وضعف القيادات التي لم تفلح في تحقيق جزء مهم من آمال شعبها، وكاشفاً أهمية قدرة الإنسان على تعرية واقعه، واكتشاف ذاته حتى لا يسرقها الآخرون، فتكون عرضة للاحتلال، أو عرضة للجهل أو الاستغلال، وربما نجح ناصر أبو سرور في روايته برسم صورة عالمية لهموم الإنسان في كل مكان، وليس في فلسطين فقط، مدافعاً في المقام الأول عن حقوق شعبه وهويّته.  

كتب
التحديثات الحية
المساهمون