استمع إلى الملخص
- تفتح الرواية فجوة بين التخييل والواقع، حيث تبدأ وتنتهي بالكتابة، وتعتبر كل كتابة ضرباً من الانتحال المتبادل، مما يعكس قدرة الأدب على تجاوز مآسي القدر وخلق عوالم جديدة.
- تمثل الرواية مختبراً جمالياً وفكرياً، حيث تتشابك الفنون والفلسفة والتصوف، وتطرح أسئلة وجودية حول الرؤية والتصالح مع الذات.
لا تراهن رواية "حكيم سهرورد" (خطوط وظلال للنشر والتوزيع، 2025) للفنان التشكيلي والروائي المغربي أحمد جاريد، على مسار حكائي واحد، ولا على رحلة "شهاب الدين يحيى السهروردي"، الصوفي المعروف المؤسس لـ"التصوف الإشراقي"، كما قد يوحي بذلك عنوان الرواية. هناك ثلاثة مسارات حكائية (1- مسار جادة ريان/ فريق يوسف؛ 2- مسار ميليو/ شيجن؛ 3-مسار جلنار/ السهروردي)، يتحرك النص بينها في توازن متقن، لا يمنح لأي مسار مركزاً للثقل على حساب المسارين الآخرين. كما أن كل المسارات تلتقي في تقاطع سردي يجعل القارئ في حالة انجذاب دائري نحو الداخل. ذلك أن كل مسار يصبح، في العمق، انعكاساً للآخر، وهذا ما يسمّيه أندريه جيد "الانشطار المرآوي" الذي يتماثل فيه مرجع المحكي الفرعي مع مرجع المحكي الكلي.
فمنذ الصفحات الأولى، يتسلل الإحساس بأن الرحلة، مع جادة ريان وفريق يوسف، ستكون رحلة معرفية وفنية وروحية. إذ تلتقي جادة ريان بفريق يوسف الذي يعتبر ظلاً لكاتب حقيقي يحمل الاسم نفسه تقريباً (فاروق يوسف)، صاحب كتاب "تفاحة سيزان"، وكأن الرواية تفتح فجوة صغيرة بين التخييل والواقع. كل شيء في الرواية يبدأ بالكتابة وينتهي إليها. لا وجود للأصل، ما دامت الكتابة تقوم على الاقتراض والطمس والتحويل. كل كتابة هي ضرب من الانتحال المتبادل، سرقة جميلة بين الكتّاب والقراء، بين المرئي والمخفي.
يرسم جاريد ظلال ثلاث حكايات عبر محكيات صغرى أخرى. لا يعيد كتابة سيرة السهروردي كما وردت في كتب التاريخ، وإنما يعيد كتابتها بوصفها خلاصاً روحياً يتم عبر الفن. فالسهروردي الذي تقول السيرة إنه قُتل بأمر من صلاح الدين الأيوبي، ينال في نهاية الرواية، بخلاف كل الروايات التي تقول إنه "المقتول"، عطف حاكم حلب الملك الظاهر (ابن صلاح الدين) الذي تدبر أمر إخراجه من زنزانته وتهريبه في "خمار النسوة" من حكم القتل.
بما أن الروايات متعددة، منها ما يحكي أنه سجن ومنع من الطعام وبقي صائماً باختياره، لا يفطر إلا بتمرة إلى أن مات. ومنها ما يحكي أنه خنق بوتر، ومنها ما يقول إنّ رقبته قُطعت بسيف، وأخرى تحكي أنه وضع وسط القلعة وأُحرق. فمن يمنع أن تحكى رواية أخرى أقل تراجيدية، وإلا في ما يفيد الأدب إذا لم يعفنا من مآسي القدر، ويكتب لهذا الصوفي الذي نشر الحب أن يبقى حياً؟
لا يمكن الإمساك بحقيقة أي شخصية إلا في انعكاسها لدى الأخرى
ثم يمكن القول إن الحكيم سهروردي في الرواية ليس هو "المتصوف المقتول في حلب"، ولا هو الشيخ الذي أضاء قلب جلنار ورشد الدين العاقلاني والملك الظاهر غازي، وإنما هو مرآة أخرى للكاتب نفسه، كما يحضر بوصفه صدى لرحلة داخل الذات لكل من جادة ريان وميليو. طفولته حافلة بالكرامات الصغيرة التي لا تحتاج إلى جمهور لتتحقق. رحلته بحثٌ عن النور، عن الحقيقة التي تتجلى في كل ما يبدو بسيطاً: في عقدة شريط، في نبوءة درويش، في ظل شجرة، في عين امرأة، في سطر من كتاب، في تفاحة تكتسب لوناً لا يراه غيره. يلتقي بحبيبته (جلنار بنت فريد الدين العطار) التي تصبح زوجته، لكنها في جوهرها ليست امرأة فحسب، لأنها تجسد المعرفة المتجلية، أو كما يسميها المتصوفة "الحكمة المؤنثة"، أي الجانب الأنثوي للحقيقة، الذي لا يُدرك بالعقل بل بالحب.
إن جلنار هي تفاحة السهروردي. كما أن جادة ريان هي تفاحة فريق يوسف. كما أن ميليو هي تفاحة شيجن. أما تفاحة القارئ، فهي مخطوط كتاب خليل خوري الذي يتحول، عبر صفحات الرواية، إلى كائن رمزي يختصر معنى الحب في أبلغ تجلياته.
يقيم جاريد هندسة سردية من المرايا المتقابلة للحب، بحيث لا يمكن الإمساك بحقيقة أي شخصية إلا في انعكاسها لدى الأخرى. كل واحد منهم هو مرآة الآخر: جادة ريان ترى نفسها في كتاب فريق يوسف وقبله في معرض "حقائب لِحِليّ الحب"، وشهاب الدين يرى ذاته في نور الحبيبة (جلنار)، وفريق يوسف يرى نفسه في مرآة القارئ الذي يشك في حقيقته، وميليو ترى نفسها في قلب شيجن الذي يعود بها إلى نقطة البداية (جزيرة سيكالا). كل حكاية تتعالق مع الأخرى لتؤسس فكرة الانعكاس، وهو ما يعني أن الروائي غير مهتم بتقديم سرد تقليدي أو حكاية ذات عقدة واضحة. بل إننا أمام خيط سردي يحمل عدة عقدات. إن هذا التعقيد في المسارات الحكائية هو ما يشكل، في هذا العمل، ماهية السرد ذاته، وكأن الرواية تكسر الجدران لتكشف عن وعي ميتاسردي هو جوهرها: الشخصيات تقرأ وتكتب وتناقش الكتب وتعلق على أحاديث الشخصيات وأفعالها، كما أن الروائي يقتحم المتن بوصفه كائناً روائياً، والحدود بين المؤلف والقارئ تنمحي.
نحن أمام نص يتغذى على فكرة الاقتراض والتعالق والانشطار، ويحتفي بها باعتبارها جوهر الخلق الأدبي. فالفن، كما يقول النص ضمناً، لا يولد من العدم بل من تكرار إبداعي يخترق الأصل. يقول السارد: "المثير في فعل الكتابة هو أنها المملكة التي يكون المؤلف فيها كاتباً وبطلاً ومخرجاً في ذات الوقت. ومرات يكون على صفحاته مثل الرب في الكون، حاضراً في كل جهة ولا يظهر لأبطاله في كل الجهات".
إن جاريد في "حكيم سهرورد" يكتب رواية عن الكتابة نفسها، عن الكيفية التي يمكن بها للنص أن يتجاوز حدود الحكاية ليصبح سؤالاً في الوجود. فالموت، والحب، والسرقات الأدبية، والسفر، والبحث الصوفي، كلها ليست سوى أقنعة لسؤال واحد: كيف يمكن للكائن أن يرى؟ كيف يمكن أن يتصالح مع ظله ومع نوره في آن، ومع خيباته القدرية؟
يرمز الدرويش للحقيقة، كما تجسد المرأة الذات الباحثة عنها
لهذا السبب فإن تعدد المسارات السردية يخلق وحدة سردية خفية تتبادل الأدوار، لأن كل خيط من الخيوط الثلاثة يقود إلى مركز واحد: التفاحة التي تشكل نقطة التقاء بين الفن البصري والفكر الفلسفي، وبين الممارسة السردية والوعي الميتاسردي. فهي، من جهة، تحيل إلى تجربة الرسام الفرنسي "بول سيزان" الذي جعل من التفاحة موضوعاً لا نهائياً للرؤية، حيث يتحول الشيء البسيط إلى مجال لتجريب الإدراك، ويتحول اللون إلى وسيلة لالتقاط الحقيقي والجوهري. كما أنها تتجاوز البعد التشكيلي لتدخل في دائرة المعرفة الصوفية التي تقوم عليها الرواية. فالحب، كما يتبدّى في العمل طريق. بينما يرمز الدرويش للحقيقة، كما تجسد المرأة الذات الباحثة عنها. وبينهما يتحقق اللقاء بين الظاهر والباطن، أي الصورة والمعنى.
من خلال هذا التشابك بين الرسم والسرد والفلسفة، ينجح أحمد جاريد، إذن، في تحويل الرواية إلى مختبر جمالي وفكري تتفاعل فيه الحواس والأفكار، تحضر فيه اللوحة بوصفها سطحاً للتجربة المعرفية.