استمع إلى الملخص
- انتقد بورخيس أفلام شابلن مثل "أضواء المدينة" و"الأزمنة الحديثة"، معتبراً أنها تخدم الاتجاه اليساري، مما يعكس انحيازه للولايات المتحدة والنزعة الليبرالية.
- تحول بورخيس من معجب إلى ناقد لاذع لأفلام شابلن، متأثراً بالضغوط السياسية والاجتماعية، وانتقد "أضواء المدينة" بشدة، متهماً إياه بالسرقة الأدبية.
تتيح بعض المعارك الأدبية والفنية التي خاضها خورخي لويس بورخيس ربط الصراع بالسجال السياسي أو الأيديولوجي الذي كان سائداً في تلك المرحلة، ومنها معركته مع شارلي شابلن التي لا يمكن، مع ذلك، إدراجها جوهرياً في "الموقف الفني"، ولا في الألعاب البلاغية أو صراع الأفكار أو النقد السينمائي.
لقد خاض صاحب "صانع المتاهات" حربه الكبرى مع الكتب، وكان يرفض الإدلاء بآرائه حول الكتاب المعاصرين له. ففي حوار أجراه معه الفنزويلي بن عمي فهمان، طلب منه: "لا تسألني عن الكتّاب الأرجنتينيين الشباب أو كتاب أميركا اللاتينية، لأنني لا أعرفهم. لقد فقدتُ بصري عام 1955، ولم أقرأ للمعاصرين". ومع ذلك، تشبه آراؤه في كتابات الآخرين التأمل الداخلي أو ما يسميه "الوعي بفقدان الوعي" لإنتاج تعقيدات ينازل بها النصوص بوصفه قارئاً يولي اهتماماً كبيراً للتخطيط والتركيب واختراع القصص والحبكات ومنح حياة جديدة للشخصيات الأسطورية.
ضدّ اليسار والشعاراتية في الأدب
لا ينكر بورخيس أنه "فوضوي قديم يعتقد أن الدولة شرّ"، غير أن موقفه من شابلن لا يبتعد كثيراً عن الانحياز إلى الولايات المتحدة الأميركية: إذ يقول "أسهم العالم الاشتراكي السابق في التهليل لظاهرة شارلي شابلن أكثر مما ينبغي، وشاركته في ذلك أغلبيّة الأحزاب اليسارية في الغرب الليبرالي أيضاً، ودائماً في إطار ’البروباغندا السياسية‘ إياها، التي لا تتوانى عن توظيف الآداب والفنون في معاركها السياسية الساخنة والمفتوحة مع العالم الحرّ". ويبرر بورخيس هذا الموقف، ليس بوقوفه الأيديولوجي ضد اليسار فقط، بل يعتبر ذلك موقفاً حدياً من النزعة الشعاراتية في الأدب والفن، ذلك أن "شارلي شابلن أَعمته الشهرة والمال، فاسترخى وتراجَعَ كليّاً عن إبداعه السابق، والذي كان قد قدَّمه في سلسلة أفلامه الصامتة التي شاهَدْتُها كلّها تقريباً، خصوصاً منها أفلام: "الطفل"، و"امرأة من باريس"، و"حمّى الذهب" و"السيرك". هكذا انصرف شارلي "الصعلوك" و"المُتشرّد" إلى صنْعِ أفلامٍ تنحو منحى الأيديولوجيا السياسيّة البحتة، وأنا لا أحبّ المُبدعين الذين ينغمسون في السياسة حتّى جمام رؤوسهم"، كما قال بورخيس في حوار طريف معه نشرته "الفكر العربي".
لا يبتعد موقفه من شابلن كثيراً عن انحيازه إلى الولايات المتحدة
اتخذ الكاتب الأرجنتيني موقفاً جذرياً من أفلام شابلن التالية "أضواء المدينة"، و"الأزمنة الحديثة"، و"السيّد فيردو"، وقال إنها أفلام "تصب في مصلحة الاتجاه اليساري وحراك الشيوعيين في الاتحاد السوفييتي". وهذا يلفت إلى أن بورخيس لم ينظر إلى هذا المنجز بعين الناقد الحاذق المهتم ببلاغة الصورة، وفحص التفاصيل وخفايا اللغة السينمائية، في هذا الفيلم أو ذاك، بل بعين الرقيب السياسي والأيديولوجي المنتصر للنزعة الليبرالية، رغم أنه القائل "ليس من العدل أن أحكم على كاتب بسبب أفكاره السياسية"، في حوار أجراه معه الروائي رامون تشاو، ونشرته "لوموند ديبلوماتيك" عام 2001.
بورخيس محققاً في الفن
لا يختلف بورخيس هنا، في موقفه من شابلن، عن إدغار هوفر، المدير القوي لمكتب التحقيقات الفيدرالي، الذي تزعم مواجهة "المكارثية" أو ما يسمى أيضاً بـ"الخوف الأحمر"، فوضع أميركا تحت التنصت، وابتكر آليات استخبارية لملاحقة المتعاطفين مع الشيوعية.
كان بورخيس حاسماً في إثبات تسخير أفلام شابلن لخدمة الشيوعية
ولم يكن شابلن استثناءً، إذ أُطلق تحقيق رسمي ضده سنة 1947. وجعله تحت رقابة لصيقة لدرجة أن الملف الشخصي لشابلن لدى الـ"إف. بي. آي" بلغ 2000 صفحة، بل إن آخر مذكرة أدرجت في هذا الملف تعود إلى عام 1978، أي بعد سنة من رحيله. واللافت أن شابلن ظل مجرد متهم لم تثبت إدانته من طرف مكتب التحقيقات الفيدرالي، في أي لحظة من لحظات التحقيق المتكرر معه، بينما كان بورخيس حاسماً بوضوح في "إثبات" تسخير أفلامه لخدمة الشيوعية وزرع الأفكار السامة في عقول الأميركيين، علماً أن شابلن أكد أمام هوفر عام 1948 أنه "لا يعرف شيئاً عن الشيوعية ولم يقرأ كتابات كارل ماركس. كما أنكر أنه تبرع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للحزب الشيوعي في أميركا".
بحثٌ عن الأجوبة
ترى لماذا تحول صاحب "الألف" من عاشق لأفلام شابلن، ومدافع عنها إلى خصم عنيد لها؟ هل كان يغازل السلطات الأميركية التي أظهرت تبرماً واضحاً من الممثل العبقري المزعج؟ هل يعود ذلك إلى تصاعد الانتقادات الحادة الموجهة إلى حياة شابلن الخاصة، وتورطه في العديد من الفضائح الأخلاقية، وعلى رأسها علاقاته بفتيات مراهقات، وقضايا خيانة زوجية وإثبات نسب وعنف وطلاق؟
في ذروة إعجاب بورخيس بشابلن، كتَب في صحيفة "سور" (شتاء 1931) قبل أن يدير له ظهره إنه "معجب به كثيراً، لأنه كان يساعده على إطالة أمد الطفولة، ولأنه جعله يؤمن بأن كل شيء، سواء كان خرافة أم حقيقة، يمكن أن يكون واقعاً".
لكن المفاجأة ستأتي بعد سنتين من هذا المقال، حين لم يتردد بورخيس في توجيه نقد تهكمي قاسٍ إلى فيلم "أضواء المدينة"، الفيلم الذي اعتبره أبرز النقاد السينمائيين مثل إيليوت شتاين، وأديث أوليفر، وآرثر ونايت، من أفضل الأفلام الكوميدية في زمانه. ففي مقال نشر يوم 9 سبتمبر/ أيلول 1933 في صحيفة "كريتيكا" الأرجنتينية، أشار إلى أن إجماع النقاد على امتداح الفيلم لا يعكس تذوقاً نقدياً بقدر ما يعكس انضباطاً دعائياً، قائلاً "الحقيقة أن هذا الاحتفاء المكتوب يبدو أقرب إلى شهادة على كفاءة خدماتنا البريدية والبرقية، لا إلى تعبير نقدي حقيقي".
ورغم تقديره الواضح في المقال للمكانة الرمزية لشابلن، يرى أن هذا الفيلم ليس أكثر من "أنطولوجيا واهنة من الحوادث الصغيرة المفروضة على قصة عاطفية"، بل يذهب إلى حد اتهام شابلن على نحو واضح بالسرقة. "بعض المشاهد جديدة؛ وبعضها الآخر مقتبس عن فيلم منسي للأسف هو الحياة الخاصة لهيلين طروادة لألكسندر كوردا".
إذا كان بورخيس يؤمن بالنظرية الكيميائية القائلة "لا شيء يضيع، لا شيء يزيد، كل شيء يتحوّل"، وبأن كل كتب الأدب العالمي تعود إلى مصادر ثلاثة: الإلياذة، وألف ليلة وليلة، والأناجيل الأربعة، فلماذا استكثر على شابلن التركيب أو الاقتباس من فيلم آخر؟ ولماذا أنكر عليه إنهاض هيلين طروادة في "أضواء المدينة"؟