دلال البزري تعيد كتابة زمنها ولغتها

04 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:39 (توقيت القدس)
عقود مديدة في الفكر والسياسة (تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تستعرض دلال البزري في كتابها "الغار والزيتون" رحلتها عبر مدن متعددة، متأثرة بالأحداث السياسية مثل العدوان الثلاثي ونكسة 1967، وانخراطها في منظمة العمل الشيوعي، وتجربتها التعليمية في مدارس بيروت.

- تتناول تجربتها في الجامعة اللبنانية، حيث واجهت التحديات الحزبية والذكورية، وتأثرت حياتها بالحرب الأهلية اللبنانية، وانخراطها في "التجمّع النسائي الديمقراطي" ومجلة "الحرية"، واستقالتها بعد حصار زحلة.

- بعد الحرب، درست الحركات الإسلامية في فرنسا، وأسست "تجمع الباحثات اللبنانيات"، وعملت في الصحافة بمصر، وعادت إلى بيروت لتكتب في "العربي الجديد"، وتختتم بالهجرة إلى تورنتو لمواصلة الكتابة.

"نادتها اللغة كما نادى هملت شبحُ أبيه". هكذا يكتب المفكّر التونسي الطاهر لبيب في تقديمه لكتاب الباحثة اللبنانية دلال البزري الجديد "الغار والزيتون: أو ما يشبه السيرة الذاتية" الصادر حديثاً عن "منتدى المعارف" (بعد طبعة تونسية عن "دار الجنوب"). منذ البداية، تسير البزري بين دكار وصيدا وبيروت فالدار البيضاء والقاهرة وصولاً إلى تورنتو، متنقّلةً بين لغات وذكريات، بينما يبقى خيط يشدّها إلى اللغة العربية، تلك التي "لها عطر الصابون ورائحة الغار والزيتون"، كما تكتُب.

من سنوات الطفولة إلى ما بعدها، مروراً بعقد الستينيات، نتابع رحلة دلال البزري المتنقلة في التعلّم بين مدارس الفرنسيسكان والراهبات الأنطونيات في بيروت، تحدّثنا عن "السينيال" (قطعة صغيرة غالباً خشبية تُسلَّم للتلميذ الذي يضبطه أحد وهو يحكي عربي. هذا التلميذ يبقى "حامل السينيال" حتى يسمع أحداً آخر يخالف القاعدة وينطق بالعربي، فيسلّمه له فوراً)، وعن صورة أستاذ العربية الشاب الرومنطيقي، فارع الطول، جوزيف حرب المرتبطة ذكراه بـ"أطلال" أم كلثوم، وأطياف حبّ أبدي. يتقاطع كل ذلك مع العدوان الثلاثي، وحبّ عبد الناصر في منزل والدٍ ناصري الهوى فرنسي اللسان، ومع نكسة 1967 ومرحلة الصبا، والتنقّل بين المدارس الثانوية. ومع أواخر الستينيات، تنخرط البزري في منظمة العمل الشيوعي، التي كانت قد نسجت صلتها بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على وقع حرب فيتنام.

بعدها تأتي مرحلة كلية الآداب ـ فرع الفلسفة ـ في الجامعة اللبنانية، ويدخل القارئ عالم العمل الحزبي والديالكتيك، ثم الجامعة اللبنانية وصراع استقطاب القواعد العمالية، خصوصاً عمال "الريجي" في الحدث. وسط هذا التنافس تنفرُ "الذكورية الرفاقية" بسلوكها وكلماتها النابية التيو اجهتها بثبات. وعلى الطرف المقابل، يقف الرفيق وضاح شرارة، أبرز مثقفي منظمة العمل آنذاك، في مشهد لافت خلال إحدى المحاضرات وهو يحمل طفلته ويُرضعها، في تقاسم واضح للمهام مع شريكته. ثم تأتي أجواء الجامعة اليسوعية وفوارقها مع اللبنانية، فالزواج الأول والإنجاب، إلى أن تندلع الحرب الأهلية عام 1975.

مع الحرب، تحتل المنظمة مدرسة في حيّ الشياح، وتبدأ مرحلة جديدة تماماً. الكلية تتضرر، وكلية التربية التي كانت "محميّة بابلية"، كما تكتب البزري، يتلاشى بريقها وتخلي الساحة لفراغ لغوي يختفي معه صوت الملاطفات الفرنسية والغنج والفن. تظهر تجربة "التجمّع النسائي الديمقراطي"، والتدريس في مدارس ذات جوّ تقليدي خانق، ثم العمل في مجلة "الحرية". تتناول البزري حصار زحلة عام 1981 من قِبل الجيش السوري، وتشير إلى بيان المنظمة الذي بدا أقرب إلى الخطاب الطائفي المسلّح منه إلى جماعة علمانية، ما يجعل إرهاصات الاستقالة الأولى تتشكل عندها، قبل أن تتحقق فعلاً إثر ذلك.

مُغامِرة تمرّدت على الجاهز من الأيديولوجيات والوصفات الفكرية

تنتقل الباحثة بعدها إلى فرنسا للتحضير للدكتوراه والتعمّق في دراسة الحركات الإسلامية. هناك تتعرّف على ميشال سورا، وتروي محاولات الشيخ زهير شاويش  إقناعها بالانضمام إلى الإخوان المسلمين، لولا أن اجتياح 1982 أنقذها من هذا المسار المحتمل. ثم تأتي مرحلة "الجمعية العربية لعلماء الاجتماع" والتعرّف على الطاهر لبيب، فالعودة إلى بيروت بعد انتهاء الحرب، ومبادرة "المجتمع والحرب" الندواتية.

"علينا الآن، ونحن نقترب من الأربعين، أو بلغناها... علينا أن ننسى لكي نغرف السعادة في ما تبقّى"، تقول البزري في مرحلة صدور كتابها "دنيا الدين والدولة" عام 1995. في تلك الفترة، ترصد ظهور التلفزيونات الجديدة، تُحدّثنا عن مذيع يريد محاورتها من دون أن يقرأ الكتاب، بل يعرض عليها أن تضع هي بنفسها الأسئلة، ترفض اللقاء والعرض معاً. تروي مشاركتها في تأسيس "تجمع الباحثات اللبنانيات" إلى جانب: عزة شرارة بيضون، ولور مغيزل، وماري تريز خير بدوي، وأُخريات. مكان كان أشبه بـ"جنة" قبل أن يتحوّل إلى مساحة تطغى عليها الطبطبة والوجاهات الاجتماعية، فتعود إلى "استفزازيتها"، التهمة التي لا تنكرها، وتتقدّم باستقالتها منه.

تبدأ المرحلة المصرية التي استمرت عشر سنوات منذ عام 1999: الزواج الثاني، ومغادرة التعليم إلى الكتابة الصحافية، وحكاية أول مقال لها في ملحق "تيارات" في صحيفة "الحياة"، ثم تحوُّلُ ذلك إلى روتين استمرّ عشر سنوات، وصدور كتاب جديد "مصر ضد مصر". لقاءٌ بهدى جمال عبد الناصر وتكتشف امتلاكها أرشيفاً هائلاً لوالدها لكنّه غير مُتاح للاشتغال عليه للباحثين غير المصريين. تقارن البزري بين الجغرافيا والزمن اللبنانيَّيَن والمصريَّيَن: لا صحافة "تابعة للدولة" في لبنان كما في مصر، المسماة "القومية". ويُختتم هذا الفصل الطويل برحيل نجيب محفوظ.

تعود بعدها إلى بيروت بين 2009 و2020، وتطرح أسئلة عن جيلها وعلاقاتها مع أصدقائها: ضحى شمس، وحازم صاغية، وجوزيف سماحة الذي "كان حضنه كالخيمة الرحبة، انحسر بعد غيابه حتى تلاشى". تكتب "مصر التي في خاطري" مباشرة على اللابتوب، وتعيش تجربتها بين "نوافذ المستقبل" و"المدن" قبل أن تستقرّ في "العربي الجديد" بما فيها من مجال واسع لآراء متعددة ومتعايشة. كذلك تتوقف عند كتابيها "دفاتر الحرب الأهلية"، ولقائها بالمفكر العربي عزمي بشارة الذي كلّما قلتَ فكرة أو تعليقاً، ينهال فهمُه لها "بوضوح وإيجاز". وانطلاقاً من سؤاله: "كيف غيّرتِ رأيك بالمقاومة؟ وكيف غيّرتِ رأيك بحزب الله؟" تبني كتابها "يساريون لبنانيون في زمنهم" الذي يصدر عن المركز العربي للأبحاث، بعد أن أعادت طرح ذلك السؤال بدورها على يساريين لبنانيين خلال سنوات الثورة السورية.

تنتهي السيرة، أو "ما يشبهها"، عند الانهيار اللبناني بعد الثورة، والهجرة إلى تورنتو الكندية، والعودة إلى "غار العربية وزيتونها". هناك تتمسّك البزري بعربية يُهملها أولادها، وتستند إلى فرنسية آخذة في الانسحاب بعد أن تحوّلت إلى لغة "استعمار سابق"، وفي تورنتو تكتب نصوصها في زمن الصورة والذكاء الاصطناعي الذي يهدّد بأن يرمي الكُتّاب في شتات المهن المنقرضة.

المساهمون