دومينيك إده في "قصر موال".. ثنائيات حميمة تقود إلى لبنان الآخر

11 يناير 2026   |  آخر تحديث: 07:33 (توقيت القدس)
عودة إلى الازدواج، لبنانان في واحد (موقع دار النشر الإلكتروني/ تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التعددية الثقافية في قصر موّال: الرواية تبرز قصر موّال كرمز للإرث اللبناني المتنوع، حيث يجمع بين شخصيات من خلفيات ثقافية متعددة، مما يعكس التعدد الطائفي والثقافي كجزء من الهوية اللبنانية.

- تعقيدات الهوية من خلال ليونور: ليونور، البطلة الإيطالية، تعيش حياة مليئة بالتناقضات بين الحب والإيمان، مما يعكس تعقيدات الهوية اللبنانية حيث تتعايش النقائض في إطار واحد.

- الصراع والحبكة في ظل الحرب اللبنانية: الرواية تتناول الصراعات الداخلية والخارجية في لبنان، متشابكة مع الأحداث التاريخية مثل الحرب الأهلية، مما يبرز الأمل في تجاوز اللحظة الراهنة نحو مشروع لبناني مستدام.

"قصر موّال" رواية اللبنانية دومينيك إدّه بالفرنسية، التي صدرت حديثاً عن "المكتبة الشرقية"، بترجمة بارعة لماري طوق جعلتها تبدو كأنها كُتبت بالعربية. "قصر موّال" إرث لبناني قديم، إنّ له تاريخه لكننا نصل إليه في زمن الحرب الأهلية، وانفجار المرفأ وأزمة الودائع المصرفية. إنه مثل لبنان صار إلى انتكاسة كاملة، مع ذلك فإن فيه ليونور إيطالية الأصل، وفينيز الفرنسية، وساري وديمي الفيليبينيَّين، ثلاث لغات وأربع جنسيات، رغم الإفلاس والحرب. إنها بقية المشروع اللبناني، وطن ومهجر وأُفق كوسموبوليتي.

ليونور البطلة ليست لبنانية، إن لها قصتها الأولى. راهبة في البدء، عريسها المسيح، لكنها بعد وفاة أخيها الحبيب أنطونيو بالتفوئيد، تفقد إيمانها وتستبدله بالحبّ الذي يحملها إلى لبنان. تزوّجت من سليم وإرث قصر موّال، لكن القصة لم تقف هنا. أحبّت أيضاً مُخرجاً تركياً لحقته تاركة زوجاً وابناً، ثم لا تلبث أن تعود بموت المخرج التركي الذي يبقى في قلبها. لكن ليونور لا تحبّه وحده، إنها تبقى على حبّ سليم زوجها. ازدواج يطبع شخصيّتها وفكرها ولغتها. لقد هجرت المسيح، لكن ماذا يكون بدونها، وهي تجمع اثنين في حبّها. الموت والحياة والحبّ والكُره، النقائض جميعها تتواصل في نفسها وفكرها.

تمثّل بقية المشروع اللبناني: وطنٌ ومهجر وتعدّدية ثقافية

ليس زوجها سليم الذي كان يملك عدّة كاتب لم يصره، بعيداً عن ذلك. إنه يقبل ازدواجها وثنائيتها، وهو بذلك يعيش في فندق تاركاً القصر لها، لا يزال مع ذلك فيه "القصر" حيث نراه دائماً. الاغتراب لا يقتل الحب، قد يكون وجهاً آخر له. الاثنان، بل الجميع في القصر بالصفة نفسها. فينيز الفرنسية لا تقول ذلك لكنّها تمارسه. لن نبقى هنا حيال لبنان الحالي، لن نصادف الحرب إلا من بعيد، لكن لدينا شعور بأننا لسنا بعيدين عنها. إنه لبنان الرواية بالطبع، ليس فقط لبنان الحرب الأهلية، قد يكون ما قام عليه، ما يحضر في أوّليته ما قد يبقى مشروعه الأصلي، التعدد الطائفي والثقافي واللغوي. هذا هو المبتدأ والأساس، هذا ما قد يكون تعريفاً أسبق للبنان. الحياة مزدوجة تقول ليونور، لنعد إلى الازدواج، لبنانان في واحد. ليونور هي الأقدر على أن تكونه، إنها إيطالية لبنانية، لكنها لذلك الأكثر لبنانية. 

هي بطلة الرواية، إنها روحها، وربما يكون زوجها، بصمته، بجُمله المحبوكة، بهيامه بالطبيعة، شاعرها. لكن الوجهة ذاتها، الأفق نفسه لا يبدوان في هذه القصة فحسب، إنهما يتظاهران، بل ويتوسّعان ويتجدّدان ويتّخذان وجوهاً أُخرى، في قصص ثانية تتلاحق، فالرواية حشد من القصص التي لا تتراصف ولا تجتمع عفواً، بقدر ما تتوالد من بعضها بعضاً، بل تتوالد من الفكرة، من الحبكة نفسها، من الروح التي تسود الرواية. قد لا يكون غريباً أنها، في معظمها، تعود إلى ليونور التي ليست بطلة الرواية فحسب، بل عقلها وتطورها وتكاملها. الرواية تتطور فيها وفكرتها تتقدم معها، بل وتملك، أكثر فأكثر ماهيتها من خلالها. 

دومينيك إدّه في محاضرة أقامتها جامعة بروكسل الحرّة، 8 أكتوبر 2025 (صفحة الجامعة على فيسبوك)
دومينيك إدّه في محاضرة أقامتها جامعة بروكسل الحرّة، 8 أكتوبر 2025 (صفحة الجامعة على فيسبوك)

إننا هكذا نراها تخرج من قصرها لتوصل إنجيل العاهرة القديمة، بابنها الذي حُجب عنها ولا تعرف مكانه واسمه، بل تكتفي بالتفكير به. الراهبة القديمة يبقى لها من المسيح فعل المحبّة الجارف هذا، لكن الوجه الآخر الذي تقدّمه ليونور للحاضر اللبناني، هو أنها حين يقتل الأصولي سعد المسمار فيليبينيّها لرفضه التجسّس له، ترتدي ثوب راهبة وتخرج من بيتها إليه، في بيته المجاور، لتقتله وتقتل نفسها بعده. إنها حرب أُخرى، حربها هي هذه المرّة، ستكون فيها بثوب الراهبة وهي الراهبة المنشقّة. سبق لفينيز أن رأتها تصلّي. فعل القتل هذا، متصلاً بثوب الراهبة، هو الحرب بمفهوم آخر. الموت هنا برصاصة من مسدّسها يكاد يوازي الصلب، إنه موت مُحيٍ. بعد موت ليونور، يتأمّل سليم سهل البقاع، إنه سحر الطبيعة اللبنانية مقابل حرب اللبنانيين، أمام المشهد الرائع يخطر له الوداع، الموت أيضاً له سحره، إنه موت آخر في لبنان آخر.

من جهة ثانية هناك الابن رمزي الذي يُنادي بحرب للمسيحيين المهدّدين بالانقراض. هو رمزي الذي يريد القصر إرثاً له ولا يريده مؤسسة للشبّان. إننا هكذا في اللحظة اللبنانية، في العنف الراهن، لكن اللحظة لن تدوم. في لبنان ما يمكنه أن يتخطاها، فكرته ومشروعه، إن موته حياة. هنا لا تغيب الراهبة المنشقّة، لا يغيب الشاعر المنشقّ. إنه الوداع أيضاً، لكن السهل لا يزال ممتدّاً، سحره لا يزال باقياً، لبنان الآخر يطلّ من هنا.

* شاعر وروائي من لبنان

المساهمون