استمع إلى الملخص
- في أعماله مثل "نجمة أغسطس" و"اللجنة"، يوازن بين المادة التسجيلية والبعد التخييلي، مسلطاً الضوء على قضايا العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني.
- لغة إبراهيم تتسم بالوضوح والصرامة، مما يعزز الطابع التسجيلي لأعماله، ويؤثر على جيل من الكتاب الذين يتبنون النهج التسجيلي والسياسي في الرواية.
رسَم صنع الله إبراهيم مناخاً روائياً خاصاً يستفرد به وحده، إذ جعل من الرواية مساحة للتوثيق وكشف الحقائق التاريخية والسياسية، مستنداً إلى خلفية فكرية نقدية وتجربة سياسية عميقة، بدأت منذ انخراطه في العمل السياسي في شبابه. فتمكن منذ عمله الأول "تلك الرائحة" من لفت الانتباه على المستوى العربي، إذ استطاع باقتدار كبير دمج السرد الأدبي بالمواد الوثائقية، لتتشكل لغة روائية جديدة، أُطلق عليها "الرواية التسجيلية"، خاصة أنها غنية بالدلالات السياسية والاجتماعية.
تتجاور في مختلف أعماله الروائية "نجمة أغسطس" (1974)، و"اللجنة" (1981)، و"ذات" (1992)، و"شرف" (1997)، و"أمريكانلي" (2003)، و"العمامة والقبعة" (2008) وغيرها، النصوص الإخبارية، والبيانات الرسمية، والمقتطفات الصحافية، فضلاً عن المتخيل الأدبي، في بناء فني يخلق توازناً بين المادة التسجيلية والبعد التخييلي. وقد أتاح له هذا المزج تصوير الواقع دون تجميل، وإبراز العلاقات الخفية بين القرارات السياسية والحياة اليومية للناس، فالقارئ يجد نفسه أمام سرد يتتبع التفاصيل الصغيرة في حياة الأفراد، لكنه لا ينفصل عن السياق التاريخي الأوسع، بل يربطه بالتحولات السياسية الكبرى.
تعتمد رواياته على دقة في اختيار الوثائق وإدراجها في النص، بحيث تصبح جزءاً من النسيج السردي وليست إضافات خارجية. ففي رواية "نجمة أغسطس" قدّم بغير قليل من التقريرية عملية بناء السد في المرحلة الوسطى بعد تحويل مجرى النيل، من منظور سارد خبر الاعتقال السياسي. أما في رواية "اللجنة"، فيتتبع السارد إجراءات بيروقراطية معقدة، بينما يواجه شبكة من الحقائق الاقتصادية والسياسية المأخوذة من الواقع المصري والعالمي. وفي رواية "ذات"، يعكس سرد تراكم الأخبار اليومية، المنقولة من الصحف، تاريخاً موازياً للأحداث السياسية والاجتماعية، ويكشف أثر السياسات الرسمية على حياة البطلة ومحيطها. بينما في رواية "أمريكانلي" يتحول السارد إلى ناقد لعصر العولمة وتسلط الشركات الكبرى والسيطرة الأميركية على النظام العالمي.
بناء فني يخلق توازناً بين المادة التسجيلية والبعد التخييلي
إن البنية الفنية، كما يتضح في سائر أعماله، تقوم على موقف نقدي واضح من السلطة والنظام السياسي وآليات الهيمنة الاقتصادية والثقافية، ما يجعل رهانه على المادة الوثائقية وانتقاء الأحداث يعكسان انحيازاً إلى قضايا العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، ورفضاً للفساد والاستبداد. ولذلك لا يكتفي باستعراض الوقائع، وإنما يعيد ترتيبها وصياغتها لتشكيل خطاب يفضح المستور، ويعيد للذاكرة العامة حضورها في مواجهة التهميش.
إلى جانب البعد السياسي في أعماله الروائية، بل حتى في مواقفه، تحمل رواياته قيمة أرشيفية، إذ تحفظ سجلاً زمنياً دقيقاً لفترات مفصلية في التاريخ المصري والعربي. هذا الأرشيف السردي يفتح المجال للتأويل وإعادة قراءة الماضي في ضوء الحاضر المصري والعربي الذي يفسره (خاصة في رواية "نجمة أغسطس" و"أمريكانلي") بالبنية السياسية للمنطقة العربية وعلاقتها بالقوى الكبرى.
تميل اللغة في رواياته إلى اللغة البيضاء (الاقتصاد والوضوح والصرامة)، بعيداً عن البلاغة الزخرفية، ما يعكس رغبته في جعل الوثيقة والمعلومة في جوهر العمل الروائي دون وسائط تجميلية تخفف وقعها، ويعزز هذا الخيار الأسلوبي الطابع التسجيلي المنطلق من رؤية ذاتية منحازة فكرياً. ولعل هذا المنحى في التعبير يعود في المقام الأول إلى تأثره بلغة الصحافة، وهذا يظهر جلياً في طريقة جمعه للمعلومات وتنظيمها، وفي التزامه بالوقائع المدعومة بمصادر واضحة، غير أن ما يفعله ليس نقلاً حرفياً، ما دام يعيد تركيب المعلومات داخل نسق روائي مفكر فيه، إذ تتحول الحقائق المأخوذة من الحياة العامة إلى عناصر فنية تخدم البناء الدرامي، وتكشف تناقضات الواقع.
لا تنفصل تجربة صنع الله إبراهيم الإبداعية عن مساره الشخصي، وهو ما منح نصوصه مصداقية كبيرة لدى القارئ الذي يثق، حين يكون وجهاً لوجه مع المادة الروائية، أن النص الذي بين يديه نابع من التزام حقيقي، وليس من تلاعب جمالي أو بلاغي بموضوعات سياسية.
ولا يقتصر تأثير صنع الله إبراهيم على القراء، إذ فتح الباب أمام جيل من الكتاب الذين تبنوا النهج التسجيلي والسياسي في الرواية، وانفتحوا على الوثيقة بوصفها مكوناً بنائياً بإمكانه الكشف بسلاسة عن البنية الخفية للواقع. ويمكن القول إن روايات صنع الله إبراهيم هي مساحة يتداخل فيها التاريخي والسياسي مع التخييل، بغاية توثيق اللحظة التاريخية، وفتح الباب على مصراعيه من أجل نقد سياسي وأيديولوجي من داخل العمل الأدبي.
* كاتب وشاعر من المغرب