رموز متقابلة: علم فلسطين ويوم الهسبانية

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 05:03 (توقيت القدس)
من داخل القاعة الرئيسية لـ مبنى الفنون الجميلة بمدريد (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الجدل حول قمع الأنشطة التضامنية مع فلسطين في المدارس الإسبانية يتزامن مع الاحتفال بـ"يوم الهسبانية"، مما يكشف عن مشروع ثقافي يحدد من يُسمح له بالتعبير في المؤسسات التعليمية بمدريد.
- مفهوم "الهسبانية" يتجاهل العنف التاريخي ويستبعد المكون العربي الإسلامي، بينما تبرز الأندلس كتجربة إنسانية تؤكد أن التعدد يعزز الهوية.
- الخطاب المحافظ يسعى لطمس الذاكرة المتعددة، مما يحول اللغة الإسبانية إلى وسيلة هيمنة، ويجعل المدرسة ساحة للصراع الرمزي حول الذاكرة والتفكير.

لم تمرّ أسابيع على الجدل الذي أثارته التهديدات بفرض عقوبات على المدارس والمعلمين الذين نظموا أنشطة تضامنية مع غزة، حتى صدرت عن بعض المؤسّسات التعليمية الإسبانية توصيات للاحتفال بـ"يوم الهسبانية"، الذي يوافق الثاني عشر من أكتوبر/ تشرين الأول من كل عام، وهو اليوم الذي يُخلَّد فيه اكتشاف كريستوفر كولومبوس للأميركيتين عام 1492، ويحتفى فيه رسمياً باعتباره رمزاً للروابط الثقافية واللغوية التي تجمع العالم الناطق بالإسبانية، تحت شعار "الوحدة في اللغة والتاريخ".

هذا التزامن بين قمع رموز التضامن مع فلسطين والدعوة إلى الاحتفاء بالهوية الواحدة ليس بريئاً. فبين منع رفع علم فلسطين في فضاء المدرسة، والاحتفال بهوية تُقدَّم بوصفها جوهر الأمة الإسبانية، لا سيما في المؤسسات التعليمية التابعة لبلدية مدريد، تتكشف خيوط مشروع ثقافي أعمق: مشروع يسعى إلى تحديد من يُسمح له بالتعبير، ومن يُقصى من الذاكرة.

مفهوم الهسبانية في صيغته الرسمية ليس جديداً، وهو تاريخياً يستند إلى قراءة قومية محافظة قام بها مؤرخون مثل راميرو دي مايثتو، وسالفادور دي مادارياغا، ومنينديث بيدال، الذين حاولوا تعريف الهوية الإسبانية عبر ثلاثية "العرق، والدين، واللغة". هي رؤية تنظر إلى الغزو الإسباني للأميركيتين بوصفه مشروعاً "تحضيريّاً" و"تمدينيّاً"، وتتغافل عن قرون من العنف والهيمنة والإبادة بحق السكان الأصليين، وعن الاستغلال الثقافي الذي تلاها. كما أنها تستبعد المكون العربي الإسلامي من التاريخ، واللغة، والثقافة الإسبانية.

تاريخياً، مقابل هذه السردية الأحادية، تبرز الأندلس كذاكرة مضادة، منفية من الخطاب الرسمي لكنها حاضرة في عمق الوعي الثقافي الإسباني والعالمي. فالأندلس لم تكن مجرد مرحلة من التاريخ الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، بل تجربة إنسانية فريدة من التعدد: التقاء بين العربية والإسبانية، بين الإسلام والمسيحية واليهودية، بين الفلسفة والشعر والعلوم والفن. إنها نموذج حيّ على أن التعدد لا يُضعف الهوية، بل يمنحها عمقاً وتوازناً.

تبجيل لا يخلو من نزعة "إسبانو-مركزية" تتجاهل مكونات الآخر

ومع ذلك، يُصرّ الخطاب المحافظ على طمس هذه الذاكرة، لأنها تذكّر بأن الهوية الإسبانية متعددة، وهجينة، وتفاعلية. إن استبعاد الأندلس من الذاكرة الثقافية هو في جوهره إقصاءٌ للآخر الداخلي، تماماً كما أن حظر علم فلسطين هو إقصاءٌ للآخر الخارجي. في الحالتين، تُمارس السلطة عملية "نفي مزدوج": نفيٌ للماضي المختلف، ونفيٌ للحاضر الذي يرفض الانصياع.

في الوثائق التي توصي بالاحتفال بيوم الهسبانية، تُطرح اللغة الإسبانية أيضاً بوصفها جوهر الوحدة القومية. لكن هذا التبجيل لا يخلو من نزعة "إسبانو-مركزية"، إذ يتجاهل اللغات الحيّة الأخرى في الدولة — الكتالونية والباسكية والغاليثية — كما يتجاهل تنوّع اللهجات في العالم الناطق بالإسبانية. هكذا، تتحوّل اللغة إلى وسيلة هيمنة رمزية أكثر منها أداة تواصل، وتُقدَّم باعتبارها علامة نقاء ثقافي في مواجهة التنوع.

في هذا السياق، يظهر دور المدرسة بوصفها حقلاً للصراع الرمزي. حين تُمنع أنشطة التضامن مع فلسطين بحجة الحياد، بينما تُفرض أنشطة "الهسبانية" خارج المنهج الرسمي، فإن ما يحدث ليس تنظيماً تربوياً، بل توجيه للذاكرة والتفكير.

ليس الدفاع عن علم فلسطين في الفضاء المدرسي، أو عن الأندلس في الذاكرة التاريخية، فعلاً سياسياً ضيقاً، إنه، أولاً، موقفٌ ثقافي بامتياز. إنه دفاع عن حق الجماعات في رواية تاريخها، وحق الأفراد في الاختلاف، وحق اللغة في التعدد.

المساهمون